بيع الوكيل لنفسه

المعتمد في المذهب الشافعي أن الوكيل لا يجوز أن يبيع ما وكل به من نفسه، ولا من موليه وإن أذن له في ذلك، لأنه متهم في ذلك بخلاف غيرهما كأبيه وولده الرشيد وهو نص الإقناع للخطيب الشربيني ومغني المحتاج له أيضاً. وعبارته في مغني المحتاج:2/225.

(و) الوكيل بالبيع والشراء مطلقاً(لا يبيع) ولا يشتري(لنفسه و) لا لـ(ولده الصغير) ونحوه من محاجيره، ولو أذن له فيه لتضاد غرضي الاسترخاص لهم والاستقصاء للموكل، وكذا لو قدر له الثمن ونهاه عن الزيادة، لأن الأصل عدم جواز اتحاد الموجب والقابل- البائع والمشتري-وإن انتفت التهمة، ولأنه لو وكله ليهب من نفسه لم يصح وإن انتفت التهمة لاتحاد الموجب والقابل".

لكن أبا إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى صاحب كتاب (المهذب ) حكى وجهاً في جواز ذلك إن أذن له الموكل وعبارته كاملة كما في 1/352 " فصل : وإن وكل ببيع سلعة لم يملك بيعها من نفسه من غير إذن ،لأن العرف في البيع أن يوجب لغيره ، فمحل الوكالة عليه ،ولأن إذن الموكل يقتضي البيع ممن يستقصي في الثمن عليه، وفي البيع من نفسه لا يستقصي في الثمن فلم يدخل في الإذن ، وهل يملك البيع من ابنه أو مكاتبه ؟

فيه وجهان :

أحدهما يملك ، وهو قول أبي سعيد الإصطخري لأنه يجوز أن يبيع منه ماله فجاز له أن يبيع منه مال موكله كالأجنبي .

والثاني: لا يجوز وهو قول أبي إسحاق لأنه متهم في الميل إليهما كما يتهم في الميل إلى نفسه، ولهذا لا تقبل شهادته لهما كما لا تقبل شهادته لنفسه.

فإن أذن له في البيع من نفسه ففيه وجهان:

أحدهما: يجوز كما يجوز أن يوكل المرأة في طلاقها.

والثاني: لا يجوز وهو المنصوص لأنه يجتمع في عقده غرضان متضادان: الاستقصاء للموكل، والاسترخاص لنفسه فتمانعا، ويخالف الطلاق فإنه يصح بالزوج وحده فصح بمن يوكله والبيع لا يصح بالبائع وحده فلم يصح بمن يوكله".

وقال مثل ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتاب(الروضة) 4/304 طبعة دمشق:

"وكذا لا يبيع من نفسه على الصحيح المعروف، وعن الإصطخري جوازه، فعلى الصحيح لو صرح في الإذن في بيعه لنفسه فوجهان: قال ابن سريج يصح، وقال الأكثر ون لا يصح".

وفي كتاب(كفاية الأخيار):1/286" ليس للوكيل في البيع أن يبيع لنفسه، وكذا ليس له أن يبيع لولده الصغير، لأن العرف يقتضي ذلك وسببه أن الشخص حريص بطبعه على أن يشتري لنفسه رخيصاً وغرض الموكل الاجتهاد في الزيادة، وبين الغرضين مضادة، ولو باع لأبيه أو ابنه البالغ فهل يجوز؟ وجهان: أحدهما ل، خشية الميل، والأصح الصحة لأنه لا يبيع منهما إلا بالثمن الذي لو باعه لأجنبي لصح فلا محذور. قال ابن الرفعة: ومحل المنع في بيعه لنفسه فيما إذا لم ينص على ذلك، أما إذا نص على البيع من نفسه وقدر الثمن ونهاه عن الزيادة فإنه يصح البيع، واتحاد الموجب والقابل إنما يمنع لأجل التهمة بدليل الجواز في حق الأب والجد".

وفي كتاب (إعانة الطالبين): 3/90" ولا يبيع " الوكيل لنفسه وموليه وإن أذن له في ذلك وقدر له الثمن خلافاً لابن الرفعة لامتناع الموجب والقابض وإن انتفت التهمة، قال في الحاشية: وكتب السيد عمر البصري ما نصه: قوله خلافاً لابن الرفعة ...الخ كلام ابن الرفعة وجيه جداً من حيث المعنى لكن ترجيحهم منع توكيله للهبة من نفسه يرده من حيث النقل ".

وفي حاشية (البجيرمي على الإقناع): 3/109 " قوله وإن أذن له في ذلك" وإن قدر له الثمن ونهاه عن الزيادة أيضاً، والتعليل جرى على الغالب، و إلا فمقتضاه أنه إذا قدر له الثمن جاز أن يبيعه لنفسه لأنه غير كتهم حينئذ والعلة المطردة: اتحاد الموجب والقابل".

وفي كتاب(الشرح الكبير) من كتب المالكية:3/387" و، منع (بيعه) أي الوكيل فهو مصدر مضاف لفاعله(لنفسه) ما وكل على بيعه ولو سمى له الثمن لا حتمال الرغبة فيه بأكثر ما لم يكن بعد تناهي الرغبات فيه، أو لم يأذن له ربه في البيع لنفسه وإلا جاز".

قال الدسوقي في الحاشية:" وحاصله أن المنع مقيد بما إذا لم يكن شراؤه بعد تناهي الرغبات، وبما إذا أذن له ربه في البيع لنفسه، فإن اشترى الوكيل لنفسه بعد تناهي الرغبات أو أذن له الموكل في شرائه لنفسه جاز شراؤه حينئذ. ومثل إذنه له في شرائه، ما لو اشتراه بحضرة ربه لأنه ماذون له حكماً".

وفي كتاب(قوانين الأحكام الشرعية) لابن جزي من كتب المالكية: ص 356 قال:" ويجوز للوكيل والوصي أن يشتريا لأنفسهما من مال الموكل واليتيم إذا لم يحابيا أنفسهما، ومنعه الشافعي وقال هو مردود".

وفي (بداية المجتهد) لابن رشد: 2/303" إذا وكل على بيع شيء هل يجوز له أن يشتري لنفسه فقال مالك: يجوز، وقد قيل عنه لا يجوز، وقال الشافعي لا يجوز".

وفي كتاب(العدة) لابن قدامة المقدسي صاحب المغني" وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظاً أو عرفاً، وليس له توكيل غيره، ولا الشراء من نفسه ولا البيع لها إلا بإذن موكله" قال شارح العمدة، وهو بهاء الدين المقدسي، في كتابه (العدة شرح العمدة) :ص254" مسألة: وليس للوكيل الشراء من نفسه ولا البيع لها إلا بإذن، لأن العرف في العقد أن يعقده مع غيره فحمل التوكيل عليه، ولأنه يلحقه تهمة ويتنافى الغرضان فلم يجز كما لو نهاه عنه، وعنه يجوز لأنه امتثل أمره وحصل غرضه فصح كما لو كان من أجنبي، وإنما يصح بشرط أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء، أو يوكل من يبيع ويكون هو أحد المشترين لتنتفي التهمة، قال القاضي: ويحتمل أن لا يشترط ذلك لأنه قد امتثل أمره، فأما إذا أذن له في ذلك فقد عمل بمقتضى التوكيل".

وفي كتاب(الإقناع) من كتب الحنابلة:2/240" ولا يصح بيع وكيل لنفسه ولا شراؤه منها لموكله، ولو زاد على مبلغ ثمنه في النداء، أو وكل من يبيع وكان هو أحد المشترين إلا بإذن".

وفي المغني لابن قدامة المقدسي:5/680" لا يجوز لمن وكل في بيع شيء أن يشتريه لنفسه،وفي رواية يجوز ذلك بشرطين: أن يزيد على مبلغ ثمنه في المناداة عليه، وأن يتولى المناداة غيره وبيعه لوكيله أو ولده الصغير أو الطفل الذي يلي عليه أو عبده المأذون كبيعه لنفسه، وإن أذن للوكيل أن يشتريه من نفسه جاز له ذلك، فإن عين له الثمن فقد حصل المقصود، وإن لم يعين له الثمن تقيد البيع بثمن المثل، وحكي عن مالك والأوزاعي جواز ذلك".

ومذهب الحنفية قريب من مذهب الشافعية كما هو منصوص عليه في تكملة حاشية ابن عابدين، لأن الفقهاء اشترطوا لانعقاد البيع تعدد العاقد، لأن حقوق العقد تعود إلى الوكيل فيؤدي بيعه من نفسه إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلماً ومتسلماً مطالباً ومطالباً وهذا محال.

وبعد: فهذه نقول المذاهب الأربعة في هذه المسألة، ومنها يتبين أن بيع الوكيل لنفسه فيه خلاف بين المذاهب، فعند الشافعية والحنفية لا يجوز لاتحاد الموجب والقابل، ولأن العرف في العقد أن يعقده مع غيره فمحمل التوكيل عليه، ولأجل انتفاء التهمة، وسواء في ذلك أذن الموكل أم لم يأذن.

وعند المالكية كما في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير:3/387.

والحنابلة كما في(العدة شرح العمدة): ص254، والإقناع: 2/240، والمغني لابن قدامة: 5/68، ووجه عند الشافعية وبه قال الإصطخري وابن سريج كما في الروضة للإمام النووي:4/304، وابن الرفعة، والسيد عمر البصري حيث قال: كلام ابن الرفعة وجيه جداً من حيث المعنى كما في تعليق في(إعانة الطالبين): 2/90، وكفاية الأخيار: 1/286، والمهذب: 1/352 أن ذلك أي بيع الوكيل لنفسه جائز على إطلاقه، أو بوجود الإذن من الموكل كما في حاشية البجيرمي على الإقناع: 3/106، أنه إذا قدر له الثمن جاز أن يبيع لنفسه لأنه غير متهم.

هذا وإن عمل أكثر الناس اليوم على البيع لأنفسهم فيما وكلوا به، لأنه ليس من المعقول أن يوكل في بيع بعض الحاجيات من منتجات حيوانية وغيرها ثم يشتريها لنفسه من عند غيره، وقد يساء ببضاعة الموكل الظن مما يسبب لها كساداً وإهمالاً.

ولو تأملنا أقوال المذاهب لعلمنا أن محور الخلاف قائم من أجل عدم الإذن، واتحاد الموجب والقابل الذي يتولد منه التهمة والمحاباة كما يقولون. فلو انتفت التهمة والمحاباة ما يبيعه للناس زماناً ومكاناً من غير وجل الوكيل وباع من نفسه بثمن المثل، أو بمثل ما يبيعه للناس زماناً ومكاناً من غير إجحاف في حق الموكل لقلت أن ذلك البيع جائز، علماً بأن الموكل ليس له غاية إلا البيع بثمن المثل، أو بسعر السوق بغض النظر عن ماهية الشخص المشتري سواء كان الوكيل أو غيره، والعرف التجاري جرى على ذلك والعمل على خلافه فيه حرج كبير وما جعل الله علينا في الدين من حرج، والأمر إذا ضاق اتسع..