الوقف في المجتمع الإسلامي المعاصر

 الدكتور: منذر قحف

مقـدمـة

الأوقاف مؤسسة قديمة جداً عرفها الناس منذ العصور القديمة قبل الإسلام. فلقد سجل القرآن الكريم أن أول مكان خصص لعبادة الله، سبحانه وتعالى، هو البيت الحرام بمكة المكرمة (إن أول بيت وضـع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) ( آل عمران:96)، فيكون بذلك المسجد الحرام هو أول وقف عرفته الإنسانية.  ولقد عرف اليونان والصينيون وغيرهم من الشعوب وقف الأماكن للعبادة. أما   العهد الفرعوني في مصر فقد عرف بعض الأوقاف للعبادة وغيرها، فقد دلت الوثائق الفرعونية على وجود أراض ينفق ريعها على دور العبادة، أو تعطى عوائدها للرهبان لينفقوها على الفقراء والمرضى.

وقد أشارت السنة المطهرة إلى عـدد من الأوقاف، بدءاً ببناء المسجد النبوي المطهر في المدينة المنورة، بعد الهجرة الشريفة بأشهر قليلة، ومروراً بحوائط  (بساتين) مخيريق التي تركها للرسول ? قبيل مقتله في غزوة أحد، ثم بئر رومة التي أوقفها عثمان بن عفان ? ليشرب منها المسلمون، بناء على حث من النبي ? على شرائها ووقفـها، ثم أرض عمر بن الخطاب  ? في خيبر التي سأل فيها رسول الله ?  فأرشده إلى حبس أصلها وجعل ثمرتها في وجوه الخير.

ولقد تميزت الشريعة الإسلامية الغراء ـ في موضوع الأوقاف ـ  بتقنينه بشكل تفصيلي، والتوسع في أهداف الوقف وأنواعه ودوره الاجتماعي. فميزت الشريعة الغراء بين ثلاثة أنواع من الوقف بحسب الأغراض هي: الوقف الديني البحت، والوقف الخيري، والوقف الخاص أو الذري.

فالوقف الديني البحت هو تخصيص الأموال لأهداف العبادة بمعناها الضيق، نحو أماكن الصلاة والحج وسائر أشكال العبادة. وهذا النوع قد عرفته جميع الشعوب منذ فجر التاريخ، من مساجد وبيع وكنائس ومعابد ومذابح.

والوقف الخيري Philanthropic هو ما يخصص من عقارات وأموال لوجوه البر المتنوعة من رعاية صحية، وثقافية، وتعليمية، واجتماعية وأمنية وغيرها. وهذا قد عرف بعضه قبل الإسلام، كما أشرنا إليه، ولكن المسلمين هم الذين توسعوا في حجم وتنويع هذا الوقف بما يفوق بكثير جميع ما عرفته الحضارات القديمة، بل وكثير مما عرفته الأمم الغربية في عصرنا الحاضر.

أما الوقـف الخاص أو الذري، ويسمى أحيانا بالأهلي، Family or Posterity Trust  فهو ابتكار إسلامي محض، اخترعه صحابة الرسول? بعد أن سجل الخليفة الثاني عمر ? وقفه في خيبر وأشهد عليه، فقام كثير من الصحابة بوضع أوقاف من أملاكهم وحوائطهم، وكتب بعضهم فيها أنها لذرياتهم أولاً ثم لوجوه الخير العامة من بعد ذلك. وهذا النوع من الوقف هو ماعرفته المجتمعات الغربية، وبخاصة الولايات المتحدة ـ حتى ببعض صور لاتخلو من الغبش ـ إلا في العقود القليلة الأخيرة.

ومن البدهي أنك تجد ضمن كل من أنواع الوقف الثلاثة المذكورة مجموعتين من الأموال الوقفية. فهناك الأموال الوقفية التي تستعمل بنفسها في غرض الوقف. مثالها المسجد بمبناه ومفروشاته، والمدرسة بعقارها وتجهيزاتها، والمسكن المخصص للذرية بما فيه من أثاث، وذلك في أنواع الوقف الثلاثة على التوالي.

وهناك أيضاً الأموال الاستثمارية التي تستثمر في التجارة أو الصناعة أو الزراعة أو غيرها من القطاعات الاقتصادية، وتخصص عوائدها أو إيراداتها أو ثمراتها لتنفق على الغرض الوقفي. وبالتالي فإننا نجد أنفسنا أمام ستة أنواع من الأموال الوقفية.

وإذا كان أول وقف في تاريخ الدولة الإسلامية وقفاً للاستعمال الديني، وهو مسجد الرسول ? في المدينة المنورة، فإن ثاني وقف معروف كان هو نفسه للاستعمال الخيري - بئر رومة التي أوقفها عثمان بتوجيه من النبي ? ليستقي منها المسلمون، وكانوا قـبل ذلك يدفعـون ثمن سقايتهم فأقبل عثمان ابن عفان ? على شرائها وتسبيلها.

أما وقف عمر? وهو الوقف الذي اشتهر بين الناس والفقهاء  حتى اعتبروا النص الوارد بشأنه أساس مشروعية مبدأ الوقف في الإسلام، فكان وقفاً استثمارياً خيرياً تنفق ثمراته على وجوه البر في إطعام الفقراء والمساكين وابن السبيل.

وفي عالمنا المعاصر، تؤلف الأموال الوقفية الإسلامية جزءاً مهما من الثروة المجتمعية في عدد من البلدان الإسلامية. كما تشكل فكرة الوقف الإسلامي مبدأ غزيرا بالعطاء في اتجاه إنماء القطاع غير الحكومي الذي يهدف إلى النفع العام والتنمية الاقتصادية / الاجتماعية. الأمر الذي يجعل هذه الفكرة جديرة بالدراسة النظرية وبالتشجيع في التطبيق العملي في جميع البلدان والمجتمعات الإسلامية، بل وفي البلدان غير الإسلامية أيضا.

وبمعنى آخر، فإن تنمية أموال الأوقاف مسألة مهمة، وأساسية، عند الحديث عن الأوقاف الموجودة فعلا في البلدان والمجتمعات الإسلامية، وكذلك عند الحديث عن ضرورة تشجيع قيام أوقاف جديدة.

ويهدف هذا الكتاب إلى عرض قضية الوقف في الإسلام من وجهة نظر معاصرة تؤكد على شروط العودة بالوقف إلى دوره المهم في تنمية المجتمع وملء الفراغات في الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية التي لا يتقدم إليها - في العادة- القطاع الخاص الذي يهدف إلى الربح، كما تتعثر الدولة كثيراً عندما تقوم بها بسبب الطبيعة الخاصة لهذه الأنشـطة الاقتصادية والاجتماعية كما سيتضح للقارئ خلال الفصول المتتالية للكتاب.

وسيكون التركيز في دراستنا على قضايا ثلاث مهمة هي:

أولاً: دورة تطوير إدارة الأوقاف بشكل يؤدي إلى تعظيم ثمراتها وعوائدها.

وثانياً: الحاجة إلى التوسع في فقه الوقف لإدخال صور وقفية كثيرة قصُر دونها فقه الوقف المعروف في المباحث الفقهية التقليدية.

وثالثاً: ضرورة ابتكار أساليب أو صيغ تمويلية جديدة  تصلح لتمويل تنمية الأوقاف في المجتمعات المعاصرة.

وبما أن الكثير من الكتابات الفقهية التقليدية منها والمعاصرة قد عالج الجوانب الفقهية في الوقف الإسلامي، فسيكون النظر في المسائل الفقهية في الوقف قليلا ومخصصاً لهدف معالجة القضايا الثلاثة المذكورة.

وبذلك، فإن هذا الكتاب سيتألف من أربعة أبواب يضاف إليها فصل ختامي. وسنـعالج في الباب الأول المسائل التمهيدية العامة في الوقف بما في ذلك  تعريفه ودوره التنموي العام وأنواعه وأهدافه. ونخصص الأبواب الثلاثة بعده لمحاور ثلاثة هي على التوالي:

أولاً:  أساليب إدارة الأوقاف، أموالاً واستثمارات وأغراضاً.

ثانياً: ضرورة تطوير فقه الوقف بما يساعد على التشجيع على قيام أوقاف جديدة في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والقانونية الموجودة اليوم في العالم الإسلامي.

ثالثاً وأخيراً: الصيغ المناسبة لتمويل تنمية أموال الأوقاف، سواء منها ماهو معروف وتقليدي أم مبتكر ومستحدث، بما يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية الغراء.

         أما الفصل الختامي فسنلخص فيه نتائج الدراسة  وتوصياتها.

الباب الأول

نظرة عامة إلى الوقف في الإسلام

وأنواعه ودوره وأهدافه

مقدمة:

سنبحث في هذا الباب أربع مسائل في أربعة فصول. ففي الفصل الأول سندرس:

الملامح الرئيسة لظاهرة الوقف وطبيعة دوره الاقتصادي. فنبحث في تعريف الوقف، ومضمونه الاقتصادي التنموي، والتراكم التنموي الذي يحصل من خلاله، وأهميته في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وندرس في الفصل الثاني:

الشروط العامة التي لا بد منها للنهوض بالأوقاف الإسلامية في الإدارة والفقه والتمويل، وقبل كل ذلك في الإرادة السياسية التي ينبغي لها أن تعزم على إعادة تفعيل الوقف في مجتمعاتنا الإسلامية.

أما الفصل الثالث، فندرس فيه:

أهـداف إدارة الوقف من حيث مدى انطباق مبدأ تعظيم الربح وتعظيم المنفعة على الوقف ومن حيث مدى جواز تحويل الوقف المباشر إلى وقف مباشر واستثماري معا بآن واحد وشروط مثل هذا التحويل.

أما الفصل الرابع، فنبحث فيه:

في تنمية رأس مال الوقف حيث نعالج قضيتين أساسيتين هما حداثة طرح مسألة تنمية أموال الأوقاف وأسباب ذلك، ومدى جواز تخصيص جزء من عائدات الوقف لإنماء رأس ماله الأصلي وزيادته.

الفصل الأول

الملامح العامة للأوقاف الإسلامية وطبيعة دورها في المجتمع

سنستعرض في هذا الفصل تعريف الوقف من الناحيتين الفقهية والاقتصادية، وسوف نستنتج من تعريف الوقف بأن مضمونه استثماري تنموي، وأنه مهما كان غرض الوقف فإن الحقيقة الاستثمارية تبقى قائمة فيه. ثم نذكر بعض الأمثلة التاريخية لدور الأوقاف الإسلامية في الخدمة والرفه الاجتماعيين.

أولاً: تعريف الوقف وأنواعه:

يمكن تعريف الوقف من الناحية الشرعية العامة بأنه "حبس المال عن الاستهلاك، للانتفاع المتكرر به في وجه من وجوه البر". فهو صدقة جارية مابقي رأس مالها، سواء أكان البقاء طبيعياً بعمر المال الموقوف أم إراديا بنص الواقف ورغبته.

ولقد راعينا في اختيار ألفاظ هذا التعريف أن يشمل الوقف المؤبد للعقار، والوقف طيلة عمر المال المنقول الموقوف، وهو أمر اتفقت عـليه المذاهب الأربعة. وراعينا أيضا أن يشمل التعريف الوقف المؤقت بإرادة الواقف، وهو معروف عند المالكية. وراعينا كذلك صورا من الوقف مستجدة لم تكن معروفة في الماضي، مثل وقف الحق المالي المتقوم ووقف المنفعة. وكل من الحق المالي المتقوم، نحو حقوق النشر، والمنفعة، نحو منفعة المال المستأجر، مال في عرف الشرع كما هو الأمر عند الجمهور بالنسبة لاعتبار المنفعة مالاً، أو كما تدل عليه الفتاوى الجماعية المعاصرة بالنسبة للحقوق المعنوية التي صارت تعتبر أموالاً متقومة.

وقد اكتفينا في التعريف بأن الوقف حبس عن الاستهلاك من أجل تكرار الانتفاع، من أجل الخروج من الخلاف الفقهي المشهور حول ملكية المال الموقوف. يضاف إلى ذلك أن فكرة "تكرار الانتفاع في وجوه البر" التي جاءت في التعريف لا تلغي إمكان أن يتضمن  الوقف بعض الشروط الخاصة نحو انتفاع الواقف من الوقف، مما تقره بعض المذاهب الفقهية دون بعض.

ويشمل هذا التعريف أشكالاً كثيرة من الأموال يمكن أن تكون موضوعا للوقف. فالأرض والبناء يمكن أن يوقفا ليستعملا في أعمال الخير، نحو إقامة الشعائر الدينية، كالمسجد للصلاة، كما يمكن أن يوقفا لوجوه البر الأخرى، نحو المستشفى والمصحة، أو دار الأيتام ودار العجزة، أو المدرسة ونُزُل الطلبة. كما يمكن وقف الأراضي والعقارات لتستعمل في الزراعة، والإجارة، وسائر أنواع الاستغلال الاقتصادي، الذي ينتج فائضاً أو إيراداً صافياً، يستخدم في رعاية وجوه البر، كأن يصرف على إنارة المسجد وتدفئته، أو على الفقراء والمساكين وابن السبيل، أو على النفقات العادية المتكررة للمستشفى أو المدرسة أو دار الأيتام، الخ.

ومن المعلوم أن وجوه البر عديدة لا حصر لها، ومتجددة ومتطورة بتطور المجتمعات البشرية. ولقد كان من وجوه البر التي ابتكرها الصحابة الكرام، في خلافة عمر?، كهدف أو غرض للوقف نفع الأهل والذرية. بحيث كانوا يحبسون الأموال من أراض وعقارات ونخيل وغير ذلك من أموال يتكرر الانتفاع منها، لتوزع منافعها على أهل الواقف وذريته، ويبقى المال نفسه محبوسا لايوزع، ليتكرر عطاؤه موسما بعد موسم، وعاما بعد عام. وليس ذلك غريبا، فإن الشريعة الإسلامية كانت سباقة بتقرير أن في العطاء للأهل والذرية، بل وللنفس أيضا، معنى من معاني الصدقة والبر، وذلك بما جاء على لسان النبي ? من التصدق على النفس، والزوج، والولد، والوالد، والأحاديث في ذلك معروفة مستفيضة.

ثانياً: المضمون الاقتصادي والتنموي للوقف:

إذا أردنا أن نعيد صياغة تعريف الوقف لنعبر عن مضمونه الاقتصادي، لقلنا: إن الوقف هو تحويل للأموال عن الاستهلاك، واستثمار لها في أصول رأسمالية إنتاجية، تنتج المنافع والخيرات والإيرادات التي تستهلك في المستقبل، سواء أكان هذا الاستهلاك بصورة جماعية كمنافع مبنى المسجد أو المدرسة، أم بصورة فردية نحو ما يوزع على الفقراء والمساكين أو على الذرية.

فالوقف هو عملية تجمع بين الادخار والاستثمار معا. فهي تتألف من اقتطاع أموال عن الاستهلاك الآني، كان يمكن للواقف أن يستهلكها إما مباشرة، إذا كانت مما يمكن استهلاكه، أو بعد تحويلها إلى سلع استهلاكية. وبنفس الوقت تحويل هذه الأموال إلى استثمار يهدف إلى زيادة الثروة الإنتاجية في المجتمع. وهذه الثروة الإنتاجية الموقوفة تنتج خدمات ومنافع. مثالها منفعة مكان الصلاة في المسجد، ومنفعة مكان سرير المريض في المستشفى أو مكان مقعد التلميذ في المدرسة. كما أن هذه الثروة الموقوفة يمكن أن تنتج أي سلع أو خدمات أخرى تباع للمستهلكين وتوزع عائداتها  الصافية على أغراض الوقف.

فإنشاء وقف إسلامي هو أشبه ما يكون بإنشاء مؤسسة اقتصادية Economic Corporation ذات وجود دائم. فهو عملية تتضمن الاستثمار للمستقبل والبناء للثروة الإنتاجية من أجل الأجيال القادمة، لتوزع خيراتها في المستقبل على شكل منافع وخدمات أو إيرادات وعوائد. كل ذلك يجعل وقف كل من الأسهم، والحصص أو الوحدات في الصناديق الاستثمارية، والودائع الاستثمارية في البنوك الإسلامية من أهم الأشكال الحديثة للوقف التي تنسجم مع حقيقة المضمون الاقتصادي للوقف الإسلامي، كما مارسه الصحابة الكرام منذ وقف بئر رومة من قبل عثمان، ووقف أرض بستان في خيبر من قبل عمر?، وكلاهما في العصر النبوي الشريف، ثم أوقاف الصحابة للأراضي والأشجار والمباني، وكما عبر عنه الأئمة الكبار في القرنين الثاني والثالث من الهجرة في دراساتهم وتحليلاتهم الفقهية. وذلك لأن الأسهم والحصص والودائـع تتضمن معنى الاستثمار لبناء ثروة إنتاجية تستفيد الأجيال القادمة من منافعها وعوائدها، شأنها في ذلك شأن البساتين والنخيل والمباني.

فالوقف الإسلامي، كما وضحنا مضمونه وحقيقته الاقتصادية، هو عملية تنموية بحكم تعريفه. فهو يتضمن بناء الثروة الإنتاجية من خلال عملية استثمار حاضرة، تنظر بعين البر والإحسان للأجيال القادمة، وتقوم على التضحية الآنية بفرصة استهلاكية مقابل تعظيم الثروة الإنتاجية الاجتماعية، التي تعود خيراتها على مستقبل حياة المجتمع بكامله.

وإذا نظرنا إلى طبيعة ثمرات أو منافع أو إنتاج الثروة الموقوفة، فإنه يمكن تقسيم الأموال الوقفية إلى نوعين هما: أموال تنتج خدمات استهلاكية مباشرة للغرض الموقوفة عليه، مثال ذلك المدرسة والمستشفى ودار الأيتام، والمسكن المخصص لانتفاع الذرية. وهذا النوع من الوقف يمكن أن يكون غرضه  وجهاً من وجوه الخير العامة كالمدرسة للتعليم، أو وجهاً من وجوه البر الخاصة كمسكن الذرية. ولنطلق على هذا النوع من الأموال الوقفية اسم الوقف المباشر.

أما النوع الثاني من أموال الوقف فهو ما قصد منه الاستثمار في إنتاج أية سلع وخدمات مباحة شرعا، تباع في السوق، لتنفق عوائدها الصافية أو أرباحها على أغراض البر التي حددها الواقف، سواء أكانت دينية أو خيرية عامة أم أهلية خاصة (ذرية). ولنطلق على هذا النوع من الأوقاف اسم الأوقاف الاستثمارية.

ثالثاً: التراكم التنموي في الوقف:

وقبل أن ننتقل إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه أموال الأوقاف في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإنه ينبغي النظر إلى أهمية التراكم التنموي للثروة الوقفية. وذلك لأن طبيعة الوقف ومعظم صوره، كل ذلك يجعل من الوقف ثروة استثمارية متزايدة. فالوقف في أصله وشكله العام ثروة إنتاجية توضع في الاستثمار على سبيل التأبيد، يمنع بيعه واستهلاك قيمته، ويمنع تعطيله عن الاستغلال، ويحرم الانتقاص منه والتعدي عليه. فالوقف إذن ليس فقط استثماراً من أجل المستقبل أو بناء لثروة إنتاجية ، بل هو استثمار تراكمي أيضا يتزايد يوما بعد يوم، بحيث تضاف دائما أوقاف جديدة إلى ما هو موجود وقائم من أوقاف قديمة، دون أن ينتقص من القديمة شيء.

ولقد كان الوقف يتزايد في تاريخنا، حتى في عصور الانحطاط والتمزق. ولاشك أن الشرط الضروري لاستمرار تزايد الوقف هو استمرار عملية تحبيس الثروات المنتجة من قبل الناس. وهو أمر يرتبط بالإحساس الديني نفسه. أما المال الموقوف، فإذا لم يشترط الواقف تخصيص جزء من إيراداته للزيادة في أصل المال، فإن جميع إيراداته ينبغي أن تنفق على أغراض الوقف. ومع ذلك فقد اتفق العلماء على أن الوقف المؤبد يجب أن ينفق على صيانة أصله من إيراداته، حتى ولو لم ينص الواقف على ذلك. معنى هذا أن الشريعة  تبغي المحافظة - على الأقل - على أصل مال الوقف وعلى قدرته على الإنتاج المستمر.

على أن ثمة عاملاً آخر، برز منذ أوائل القرن العشرين وأدى أيضاً إلى تزايد ملحوظ في القيمة الإنتاجية للتراكم الوقفي الموروث من الماضي. وهذا العامل هو التزايد السكاني والنمو الاقتصادي معبَّرا عنه بتزايد حجم الإنتاج القومي. وذلك لأن معظم الأموال الوقفية الموروثة من الأجيال الماضية موجودة فيما صار اليوم من أفضل وأحسن المناطق السكنية والتجارية بالنسبة لأوقاف المدن، وأخصب الأراضي الزراعية وأقربها لمراكز التسويق  بالنسبة للأوقاف خارج المدن. وسبب ذلك تاريخي واضح لأن هذه الأوقاف أنشئت في عصور كانت فيها المدن أصغر، وعدد السكان أقل، والأراضي الزراعية أقل مساحة وأقرب لتلك المدن الصغيرة.

وقد ساعد على ارتفاع القيمة الإنتاجية لكثير من الأوقاف المتراكمة، التطورُ الكبير في تكنولوجيا البناء الذي جعل التوسع العمودي في المباني ممكنا، ممازاد كثيراً في القيمة التبادلية للأراضي الموقوفة في المدن. بل إن كل ذلك أدى إلى التطلع إلى إعادة تشكيل بعض الأموال الوقفية المباشرة، كالمساجد، والمساكن، بحيث ينقض البناء القديم ويبنى بدلا منه بناء متعدد الأدوار، يستعمل واحد منها مسجداً أو مسكناً للموقوف عليهم، ويستغل الباقي استغلالاً استثمارياً يعود نفعه على غرض الوقف نفسه. وهذا أمر حدث فعلا في كثير من العواصم الإسلامية؛ مثل مكة المكرمة، والقاهرة، ودمشق، والرباط، واسطنبول.

رابعاً: أهمية الوقف في التنمية الاقتصادية والاجتماعية:

تقوم فكرة الوقف نفسها على تنمية قطاع ثالث متميز عن كل من القطاع الخاص، والقطاع الحكومي، وتحميل هذا القطاع مسؤولية النهوض بمجموعة من الأنشطة هي - بطبيعتها - لا تحتمل الممارسة السلطوية للدولة، كما أنه يفيد إبعادها عن الدوافع الربحية للقطاع الخاص. هذا وذاك لأن طبيعة هذه الأنشطة تدخل في إطار البر والإحسان والرحمة والتعاون، لا في قصدِ الربح الفردي، ولا ممارسةِ قوة القانون وسطوته.

         وفي هذا نقطةٌ بارزة تميز النظام الإسلامي الذي استطاع أن يفرد القطاع الاقتصادي الثالث بأهمية خاصة، وبحماية وتشجيع قانونيين، لدرجة أن بعض الحكام والأغنياء كانوا يحوّلون أموالهم أوقافا لوجوه البر حماية لها مما يمكن أن يفعله الحكام من بعدهم من مصادرة وعدوان على هذه الأموال.

فالنظام الإسلامي يقرر، منذ البدء، أن أي مجتمع إنساني، وأن المجتمع الإسلامي بشكل خاص، يحتاج إلى أنشطة اجتماعية/اقتصادية تتحرر من دوافع تعظيم الربح و تعظيم المنفعة الشخصية، لأنها تهدف إلى البر والإحسان. وهو هدف تبرعي ينبني على التضحية والتخلي عن المنفعة الشخصية. ولكن هذا النوع من الأنشطة ينبغي - بنفس الوقت - أن يبقى في منأى عن سطوة السلطة والقوة المتلازمة مع ممارستها الحكومية، وما يرافقها في أحيان كثيرة من فساد إداري واستغلال للسلطة وإساءة لاستعمال السلطة لأن هذا النوع من الأنشطة  قائم على المودة والمرحمة.

فينبغي لذلك تنظيم هذه الأنشطة في قطاع اقتصادي مستقل، وتقديم التشجيع لها، وبسط الحماية القانونية عليها، صونا لها من جميع دوافع المنفعة والربح الفرديين، من جهة، وإبعادا اها عن تسلط القرار الحكومي من جهة ثانية..."وإن شئت حبستها وجعلت غلتها في الفقراء والمساكين" كما قال رسول الله ? لعمر في شأن أرضه في خيبر.  

فالوقف هو إخراجٌ لجزء من الثروة الإنتاجية في المجتمع من دائرة المنفعة الشخصية ودائرة القرار الحكومي معا، وتخصيصٌ لذلك الجزء لأنشطة الخدمة الاجتماعية العامة. ولقد قررت الشريعة أن هذه الأنشطة والخدمات هي حاجة بشرية لا تقتصر على المجتمع الإسلامي فقط بل هي لغير المسلمين أيضا. ولقد بلغ من عدل الشريعة أنها قررت أنه يصح أن يوقف غير المسلم على ذريته، وله أن يشترط أن يُستبعد من الانتفاع بالوقف من يسلم منهم...

خامساً: لمحة عن البعد التاريخي للأوقاف الإسلامية:

ولقد كانت الممارسة الاجتماعية لهذا القطاع التبرعي، خلال التاريخ الإسلامي، متطورة جدا من حيث الحجم والأغراض. فقد بلغت الأوقاف الإسلامية مقدارا ملحوظا جدا من مجموع الثروة الإنتاجية في جميع البلاد والمجتمعات الإسلامية، التي أتاح لها تتابع السنين فرصة مناسبة لتراكم الأموال الوقفية.

ففي كثير من المدن  والحواضر الإسلامية تحتل أملاك الأوقاف عقارات رئيسة وسط المدينة وفي قلب مركزها التجاري. كما تشمل جزءاً كبيرا من خيرة أراضيها الزراعية، وبخاصة تلك القريبة من المدن والأمصار. فقد بلغت مساحة الأراضي الزراعية الموقوفة حوالي ثلث الأراضي المزروعة في مصر في مطلع القرن التاسع عشر. كما أن الأوقاف الاستثمارية في  المدن، من مبان سكنية وتجارية بلغت حدا كبيرا، إضافة إلى الأوقاف المباشرة من مساجد، ومدارس، ومستشفيات، ودور للأيتام. حتى إن مدينة القاهرة اشتهرت بأنها مدينة الألف مسجد.

وقد بلغت الأوقاف الزراعية وأوقاف المدن حدا كبيرا جدا في جميع البلدان الإسلامية التي أتيحت لها الفرصة الزمنية الطويلة للتراكم. ففي تركيا لم تكن الأراضي الزراعية الموقوفة لتقل عن ثلث مجموع الأراضي الزراعية عند تحول تركيا إلى الجمهورية في أواخر الربع الأول من القرن العشرين. وبلغت الأوقاف مثل ذلك القدر الكبير من مجموع الثروة القومية في سورية وفلسطين والعراق والجزائر والمغرب وفي منطقة الحجاز من السعودية.

أما من حيث أغراض الوقف، فقد استطاعت الأوقاف الإسلامية أن تستخلص لنفسها قطاعات رئيسية من النشاط الاجتماعي التنموي، تديرها براً وإحساناً، محافظة على هذه الأنشطة بعيدا عن تسلط القطاع العام.

فالتعليم والثقافة والبحث العلمي قطاعات تخصصت بها الأوقاف الإسلامية منذ أن بدأ التعليم يتخذ نموذج المدرسة المستقلة عن دور العبادة. فقد بلغ عدد المدارس الابتدائية، في جزيرة صقلية - عندما كانت إسلامية - حوالي ثلاثمائة مدرسة كلها موقوفة، وكلها تموَّل الدراسة فيها من إيرادات الأموال الموقوفة وقفا استثماريا، كما يذكر ابن حوقل. وتجاوز عدد المدارس العشرات والمئات في القدس ودمشق وبغداد والقاهرة ونيسابور. وقد شملت هذه المدارس جميع المستويات الابتدائية، والمتقدمة، والجامعية المتخصصة. فقامت جامعات معروفة عريقة منها جامعة القرويين في فاس   وجامعة الأزهر في القاهرة  والجامعات النظامية والمستنصرية في بغداد وغيرها كثير في سائر الأمصار الإسلامية. وكانت الأوقاف لا تقدم لهذه الجامعات والمدارس المباني وحدها، بل تقدم أيضا أدوات الدراسة من قرطاس وحبر، وأقلام، وكتب علمية، ورواتب المعلمين والمدرسين. وكثير من هذه المدارس والجامعات كانت تقدم فيها الأوقافُ المنحَ الدراسية للطلبة بما يكفيهم لمعيشتهم إضافة إلى السكن الجامعي الخاص بالطلبة.

يضاف إلى ذلك العديد من المكتبات العلمية العامة  التي كان يحوي البعض منها مئات الآلاف من المجلدات العلمية. وقد أنشئت هذه المكتبات كلها بأوقاف إسلامية. وأوقف المحسنون عليها البساتين والعقارات لتجهيزها بالكتب، وإمدادها بالموظفين والعاملين والمشرفين، ودفع مرتبات للقراء والدارسين القادمين من بلدان أخرى.

ولقد بلغ من تقدير أهمية المكتبات أن الذين يقولون بعدم صحة وقف المنقول من الفقها المسلمين قد  استثنوا المصحف والكتاب من شرطهم هذا. بل إنهم ذهبوا إلى تيسير استعارة العلماء والباحثين للكتب، حتى إنهم قالوا ببطلان شرط الواقف إن اشترط رهنا لإعارة الكتاب من المكتبات العامة.

كل ذلك أدى إلى انتشار التعليم وتوسعه وشموله جميع الطبقات الاجتماعية فضلا عن استقلاله عن أصحاب السلطة والحكام. الأمر الذي جعل العلماء المسلمين من فقهاء ومحدثين وأطباء وفلاسفة زعماء شعبين وقيادات مجتمعية بكل معنى الكلمة، يقفون في وجه السلطة عندما يرون فيها خطأ، ولايحتاجون إلى ممالأة الحكام ولا إلى تبرير أعمالهم وتصرفاتهم.

كما أدى إلى تقليل الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، وإقامة نظام اجتماعي دائم التطور والديناميكية بسبب توفر فرص التعليم لجميع الطبقات وبخاصة الفقراء.

أما بالنسبة للخدمات الصحية. فقد تولت الأوقاف الإسلامية تقديمها في طول البلاد الإسلامية وعرضها. فقدمت مباني المستشفيات، وتجهيزاتها، ومختبرات العقاقير، ورواتب الأطباء والمسـاعدين، بل إنها قدمت أجوراً لمن يهمسون في آذان المرضى كلمات توحي إليهم بقرب الشفاء وبساطة المرض وسهولة علاجه. وفوق كل ذلك فقد أقامت الأوقاف الإسلامية كليات الطب ورعت دراسات الصيدلة والكيمياء، وقدمت الرعاية الصحية - من إيرادات أموال الأوقاف - للطلبة والمتدربين في كليات الطب ولأساتذتها بشكل منتظم. بل لقد بلغت درجة التخصص في رعاية الأوقاف الإسلامية للعلوم الطبية أن وجدت أوقاف خاصة بطلبة الطب، وأخرى للتأليف في علم الصيدلة، وغيرها لرعية المرضى في المستشفيات.

وقدمت الأوقاف الإسلامية الرعاية لأماكن العبادة أيضا من مساجد، وزوايا، إضافة إلى المقابر وأمكنة غسل الموتى.

أما في مجال الرعاية الاجتماعية وحماية البيئة ورعاية الحيوان، فقد كانت الأوقاف الإسلامية طويلة الباع في هذا المجال أيضا. إن أول وقف بنى عليه الفقهاء جل اجتهاداتهم في فقه الوقف كان وقف عمر في خيبر. وقد وقفه للفقراء والمساكين وابن السبيل. فالمساعدة الاجتماعية ومحاربة الفقر بتقديم المأكل والملبس، والمأوى لجميع ذوي الحاجة كان دائما الهدف الأول والعظيم للأوقاف في النظام الإسلامي. بلغ ذلك درجة من الأهمية أن الفقهاء يعتبرون أن الوقف يُجعل لصالح الفقراء والمساكين إذا لم يصرح الواقف بغرض معين لما أوقفه. فغرضه الأول إذن هو دائما رعاية الفقراء والمساكين.

ولقد شملت الأوقاف أنواعا خاصة من ذوي الحاجة كالأرامل والشباب المحتاجين للزواج، والفتيات الفقيرات في تجهيزهن لبيت الزوجية عند الزواج، والأمهات المرضعات، والنساء اللواتي يتنازعن مع أزواجهن فيطردن أو يتركن بيوتهن.

وشملت الأوقاف أيضا الفنادق على طرقات الأسفار، والينابيع لسقيا عابري تلك الطرقات. وكان من أوقاف المسلمين ما هو مخصص لرعاية الأطفال، وتحرير الرقيق، ورعاية الحيوان، وتقديم مياه الشرب للقرى والمدن وسحبها بأنابيب خاصة بلغت عشرات الأميال في بعض الأحيان كما في القيروان، والمشاركة في قطاع الأمن الخارجي للأمة ببناء الحصون والرُبُط ووقف السلاح والبساتين عليها.

كل هذه القطاعات الخدمية كانت مما تخصصت الأوقاف الإسلامية به خلال قرون طويلة. وهي تستطيع اليوم تقديم مقدار هائل من الإنتاج الخدمي في هذه المجالات، إذا ما أتيحت للأوقاف الظروف الملائمة لاستثمار ما هو موجود منها وتنميته؛ ولتشجيع استئناف عملية التراكم الرأسمالي للأوقاف ثم الاستمرار فيها.فمن المعروف أن هذه العملية قد تضاءلت خلال القرنين الماضيين في معظم البلدان والمجتمعات الإسلامية؛ وإذا ما أتيحت كذلك الفرصة لاسترداد الأملاك الوقفية التي تم تحويلها إلى استعمالات أخرى خاصة أو عامة، بطرق وأساليب هي في مجموعها غير مشروعة، لدرجة أن بعض القوانين الحديثة أدركت هذه الخسارة الكبيرة في الأملاك الوقفية، فقررت العمل على استردادها، مهما كانت اليد الحاضرة التي تسيطر عليها، كما فعل قانون الأوقاف الجزائري الجديد الصادر في العام 1990م.

الفصل الثاني

الشروط العامة للنهوض بالأوقاف الإسلامية

إن الشرط الأول والأساس للنهوض بالأوقاف الإسلامية هو توفر الإرادة السياسية الواعية لذلك. فإذا وجدت الإرادة السياسية، أمكن عندئذ الحديث عن المتطلبات الأخرى للنهوض بالأوقاف ولإعادتها إلى العطاء الخدمي في صورة تعليم، وصحة، وخدمات مجتمعية، وخدمات للبيئة، وغير ذلك مما كانت تقوم به في الماضي، ومما يمكن أن تتوسع للقيام به في المستقبل .

لا بد بعدئذ من رسم الخطوات اللازمة لنمو الأوقاف واستعادة صحتها في ضوء الواقع الاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي القائم في العالم اليوم، وبشكل أخص في البلدان والمجتمعات الإسلامية حيث تتوضع معظم أملاك الأوقاف القائمة، وذلك بما يتلاءم مع الظروف والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في كل بلد أو مجتمع إسلامي، وحيث يتوقع أن تتوجه الإرادة إلى إيجاد البيئة القانونية والإدارية الملائمة لتشجيع قيام أوقاف جديدة واستئناف عملية التراكم الوقفية التي استمرت أكثر من عشرة قرون في كثير من البلدان الإسلامية .

ويمكن أن نلخص الخطوات العامة التي نعتقد أنه لا بد منها في هذا السبيل فيما يلي :

1 - استصدار قانون للأوقاف يتضمن تعريف، وتنظيم، وحماية الأوقاف بنوعيها الخيري العام والذري (أو الأهلي) الخاص .

2 - حماية أموال الأوقاف الموجودة، من عقارات ومبانٍ وأموال منقولة، والمحافظة عليها من الغصب والضياع والتعطيل، وحفظ سجلاتها.

3 - العمل على استرداد أملاك الأوقاف التي حوّلت إلى استعمالات أخرى بطرق غير مشروعة. ومراجعة السجلات القديمة للأوقاف في المحاكم والدوائر العقارية وغيرها لتحديد الأملاك الوقفية والبدء بإجراءات إعادتها إلى ميدانها الوقفي .

4- إعادة النظر بإدارة أملاك الأوقاف، وبخاصة الأوقاف الاستثمارية، بماينسجم مع إرادة وشروط الواقفين من جهة ومع نصوص الشريعة ومقاصدها من جهة أخرى .

وسنبين فيما يلي من فصول أن الأسلوب الأنجع - في نظرنا - في إدارة الأوقاف الاستثمارية هو الذي يشبه أسلوب إدارة المؤسسات الاقتصادية  Economic Corporations. فقد استطاعت هذه المؤسسات أن تنجح على الرغم من انفصال الملكية عن الإدارة  وغياب المالكين في معظم الأحيان عن أعمال الإدارة المباشرة.  ولقد كان سبب النجاح هو قدرة التنظيم الإداري للمؤسسة الاقتصادية في أن يربط بين منفعة المديرين من جهة، ومنفعة المالكين من جهة أخرى، وأن يقيم نظاما للرقابة على الإدارة ناجحاً إلى درجة معقولة ومقبولة إنسانياً .

وسنوضح كيف يمكن تطبيق هذين المبدأين في إدارة الأوقاف الاستثمارية وأن الانتقال من أسلوب وزارات الأوقاف في الإدارة إلى شكل آخر من الإدارة الحكومية، ليس هو أفضل الخيارات لإدارة الأوقاف الاستثمارية، وبخاصة في عصر انكشفت فيه للناس جميعا عيوب الإدارة الحكومية واتجهت فيه الشعوب جميعها نحو خوصصة المشروعات الاقتصادية التي تديرها الحكومات .

5 - وضع النظم اللازمة للتعريف بالأوقاف الخيرية العامة والأهلية الخاصة، وبيان وتعميق دورها في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتشجيع قيام أوقاف جديدة. وإعادة إدخال الأوقاف الذرية في البلدان التي ألغتها، وبخاصة بعد أن اتجهت عدة مجتمعات معاصرة متطورة إلى تأكيد أهمية هذا النوع من الأوقاف وتشجيعها .

6 - تقديم المعونات المادية والفنية والتمويلية والإدارية للأوقاف، إضافة إلى المعاملة الضريبية المتميزة، كما فعلت كثيرة من المجتمعات الغربية بعد أن أدركت أهمية الأوقاف بنوعيها الخيري والأهلي .

7 -  إعادة النظر بفقه الوقف الموروث حتى يتم التعامل مع صورة جديدة من الأوقاف لم تكن موجودة في الماضي أو لم تكن الحاجة تدعو إليها، وذلك في معرض تشجيع الأوقاف الجديدة ونهضتها .

8 - وضع الخطط اللازمة لاستثمار وتنمية الأملاك الموجودة للأوقاف، التي تعطلت عن العطاء خلال العصور المتأخرة لأسباب تاريخية كثيرة، وتوفير فرص التمويل المناسبة لها.

9- إعادة تعريف دور وزارات الأوقاف في البلاد الإسلامية بحيث تنقسم إلى قسمين رئيسين، قسم لإدارة المساجد والإشراف على الأنشطة الدينية، وقسم للإشراف على الإدارات المؤسسية للأوقاف الأخرى ورقابتها وتقديم الدعم والمساعدة لها .

وتحديد العلاقة بين قسم الإشراف على الأوقاف وبين إدارات الأوقاف بشكل دقيق، يمنع استيلاء وزارات الأوقاف على الإدارة، ويجنب مساوئ الإدارة العامة لأموال الأوقاف الخدمية والاستثمارية. وبنفس الوقت، يخضع إدارات أموال الأوقاف لرقابة إدارية صارمة.

ويتطلب ذلك إعادة نظر بالمرجعية الإدارية لمديري الأوقاف (النظار أو المتولين). فقد اعتادت المجلدات الفقهية أن تجعل القضاء هو المرجع الإداري للنظار. ونرى أن لذلك أسبابا قد تكون تاريخية أكثر منها شرعية أو مؤسسية. فالقضاء كجهاز لفض المنازعات لا يصلح للمرجعية الإدارية. وهنا ينبغي ترك القضاء لفض المنازعات بين الناظر من جهة وكل من مجالس الإدارة وهيئات الموقوف عليهم والوزارة المشرفة من جهة أخرى، وترك المرجعية في الإشراف الإداري لتلك المؤسسات المذكورة على سبيل التتابع أو التوالي، كما سنوضح ذلك في الباب الثاني من هذا الكتاب .

10 - تكليف وزارة الأوقاف بشكل واضح بالعمل على تشجيع إنشاء أوقاف جديدة، وإقامة الهيكل المؤسسي اللازم للمساعدة في إنشاء أوقاف جديدة، وتشجيع الأفراد على إقامتها وتقديم التسهيلات الضريبية والإدارية وغيرها، وكذلك الإعانات الإدارية والمالية لها حتى تتمكن من أداء دورها الاجتماعي والاقتصادي .

ومن أجل تحقيق هذه الخطوات - التي لم نذكرها على سبيل التتابع- لابد من استصدار القوانين اللازمة لتعريف وتنظيم وحماية الأوقاف بنوعيها الخيري العام والذري (أو الأهلي) الخاص، وتحديد خصائصها ودورها التنموي والاجتماعي بشكل عام، وبيان مجالات نشاطاتها.

وينبغي أن تتضمن هذه القوانين تنظيم وتحـديد علاقـة الوزارة المشـرفة - وزارة الأوقاف - بالأوقاف الخيرية مع التمييز بين الأوقاف المباشرة والأوقاف الاستثمارية. كما ينبغي أن تنظم إدارة أملاك الأوقاف وصلاحيات الناظر أو المدير ومجلس الإدارة وهيئة الموقوف عليهم وكيفية اختيار كل من المدير والمجلس والهيئة وقيامهم بأعمالهم وحدود الصلاحيات التي يمارسونها، وغير ذلك مما ذكرناه أعلاه.

كل هذه النقاط سنقوم بمعالجتها بشيء من التفصيل في الفصول اللاحقة من هذا الكتاب.

الفصل الثالث: أهداف الأموال الوقفية

تهدف الأموال الوقفية - كما قلنا - إلى تقديم منافع تدخل في وجوه البر عامة، من دينية وخيرية وأهلية. ثم إن أموال الوقف إما أن تستعمل مباشرة لتحقيق هدفها أو تستغل فيما هي معدة له وتستعمل إيراداتها وعوائدها وغلاتها في وجه البر الذي حبِّست عليه.

         ومن المعروف أن الأفراد يهدفون في غالب تصرفاتهم إلى تحقيق المنفعة الذاتية لأنفسهم. فهم كمستهلكين غالباً ما يعملون على تحصيل أكبر قدر من المنفعة الشخصية بشكل عام، مع اعتبار الفوارق في المعتقد والأفكار والتأثيرات الاجتماعية التي تعني وجود نزعات أخرى تنافس المنفعة الشخصية في عمق النفس البشرية. وهم كمنتجين يعملون على تحقيق أكبر قدر من الربح لأن هذا يتيح لهم تعظيم منافعهم. كل ذلك أيضاً ضمن حدود المعتقدات والأفكار والتأثيرات الاجتماعية الأخرى.

         وعند الحديث عن أهداف أموال الأوقاف لنا أن نتساءل عن مدى انطباق هدف تعظيم المنفعة أو الربح على أموال الأوقاف.

وكذلك فإن مسألة أخرى نشأت عن التغير في تكنولوجيا البناء  لابد أيضاً من بحثها لعلاقتها بأهداف استعمال أموال الأوقاف، وهي مدى إمكان تحويل وقف مباشر إلى وقف يجمع بين الاستعمال المباشر والاستغلال الاستثماري معاً، والشروط التي ينبغي توفرها لإجراء مثل هذا التحويل.

وسنخصص الفصل الحالي لدراسة هاتين المسألتين.

أولاً: تعظيم الربح أو المنفعة في أموال الأوقاف:

كان الدكتور أنس الزرقا ممن طرح هذا التساؤل وأجاب عليه بأن أموال الأوقاف يجب أن يتم استثمارها على أساس مبدأ تعظيم الربح، بأن "تبحث في دائرة مشروعات الحلال عن تلك المشروعات التي تولد لها أكبر عائد مالي". وهو يحتج لذلك بفقر معظم وزارات وإدارات الأوقاف، وحاجتها للأموال للإنفاق على أنشطتها الدينية. ويضيف أيضاً بأن ناظر الوقف - بصفته وكيلا - ينبغي له، بل يجب عليه أن يراعي مصلحة الموقوف عليهم، ولايكون ذلك إلا بتعظيم إيراد الوقف.

         ومن الواضح أن كلام الزرقا ينصرف إلى الأوقاف الاستثمارية. ولنا أن نتساءل : أولاً : هل ينسجم مبدأ تعظيم العائد الصافي للأوقاف الاستثمارية دائما مع إرادة الواقف؟ وثانياً : هل يندرج تحت هدف تعظيم الربح تعظيم المنفعة أيضا للمنتفعين من الوقف عندما يكون الوقف مباشراً نحو دار الأيتام مثلا؟ فنقول مثلاً : إن على متولي الوقف المباشر أن يسعى أيضاً لتعظيم المنافع المتحصلة للموقوف عليهم من الوقف.

         لا نشك في أن السبب الثاني الذي استدل به الزرقا على الالتزام بتعظيم العائد الصافي للأوقاف الاستثمارية، وهو أن مدير الوقف وكيل ليس له إلا أن يعظم عائد الموكل، وهم الموقوف عليهم بالنسبة لمال الوقف، يشكل مبدأ فقهيا معروفا له سوابق فقهية كثيرة. فالوصي على اليتيم، والوكيل بالنسبة للموكل، والحاكم بالنسبة للمحكومين، والأجير بالنسبة لرب العمل، كل أولئك مطلوب منهم تعظيم منفعة أصحاب المال عند قيامهم على أموال الأطراف الثانية في كل ثنائي مذكور. وليس لهم أن يتبرعوا من أموال من يقومون بإدارة أموالهم إلابإذنهم. فكلهم أمناء، ومن أداء أمانتهم النصح لصاحب المال، والنصح لايكون إلا بتعظيم منفعته، فإنما جعل المال للانتفاع به.

         وبالتالي فإن هدف الناظر في إدارته للأوقاف الاستثمارية ينبغي أن ينحصر في تعظيم الربح. وليس له أن يتجه عن ذلك إلى وجهات أخرى كتعظيم الاستخدام، أو تحسين البيئة، أو إنتاج السلع الأساسية التي تلبي الضروريات في المجتمع، أو غير ذلك.

         إن مثل هذه الأهداف قد تصلح للدولة التي تمولها من موارد متوفرة لديها بأي أسلوب مشروع. ولكنها لا تصلح لمتولي الوقف الذي يمثل منفعة خاصة هي منفعة غرض الوقف لا غير.

         ولا شك هنا أيضا أنه إذا أمكن الجمع بين الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية الأخرى وبين تعظيم الربح فإن ذلك يحسن بالمتولي، كمايحسن بالمستثمر الخاص بنفس المنطق. لأنه عندئذ تعظيم وإحسان معا، مثل من يعطي صدقة لذي قربى، فتكون له صلة وصدقة معا. ولكن لا ينبغي للأهداف الأخرى أن تصرف المتولي عن هدفه الأول والأساسي، وهو تعظيم الربح أو العائد الذي يُردّ إلى غرض الوقف.

وهذا التعظيم لا يكون إلا من خلال المسموحات شرعا وقانونا، لأن مخالفة الشرع والقانون تعرضه لعقوبة المعصية في الآخرة، أو لعقوبة الحكومة في الدنيا أو للعقوبتين معا. فليس للناظر بحجة التعظيم أن يخالف الشرع أو أن يخالف القانون.

ولكننا لا نوافق الدكتور الزرقا على السبب الأول الذي ذكره حجة للتعظيم، ففــقر وغنى وزارات الأوقاف، ووجــود عجــز أو وفر في ميزانياتها، وقلة أو كثرة ما لديها من أوقــاف، أمور لها أســبابها ونتائجــها الأخرى، مما لايجعلها سببا لانطباق هدف تعظيم العائد أو عدمه على أموال الأوقاف. فينبغي - في نظرنا - تعظيم العائد بغض النظر عما هو موجود لدى بعض وزارات الأوقـاف من أموال موقوفة، أو إيرادات من استثمار الأوقاف، أو من غيرها وبغض النظر عن ميزانياتها واحتياجاتها المالية.

         ولكننا نرى أن تطبيق هدف تعظيم الربح على استثمار مال الوقف ينبغي أن يطـور بما يناسب طبيعة الوقف الغيرية. إذ ينبغي أن ننظر إلى مبدأ تعظيم العائد الصافي للأوقاف نظرة واقعية. فالأوقاف نفسها إنما هي من أنواع الصدقات،لم يُقصد منها إلا البر. فهي تتضمن دائما معاني الإحسان والتبرع والعطف والرحمة. ولا ينبغي من أجل ذلك النظر إليها نظرة مادية بحتة لاتعرف إلا لغة الأرقام والمعادلات والمنحنيات البيانية.

         خذ مثلاً وقف عمر في خيبر، ونص وثيقته معروف. فهو وقف للفقراء والمساكين وابن السبيل، ..الخ. ولكن عمر، رضي الله عنه، وضع عليه ناظراً غنياً، كان هو عمر نفسه في حياته، وحفصة أم المؤمنين من بعده، ومن بعد ذلك غيرها من آل عمر. وأَذِن عمر للناظر أن يأكل بالمعروف، فهل يعقل لناظر ذلك الوقف أن لا يقري ضيفا بالمعروف أيضا؟ بحجة أن عمر لم يذكر قرى الضيف وإنما ذكر أكل الناظر!

         إننا نرى في الوقف صفة الإحسان موجودة إلى جانب صفة تعظيم العائد. فالوقف كله إحسان. وكثير من أشكال الإحسان الجانبية في الوقف قد نجدها في نص شروط الواقف، كإذن عمر لناظر الوقف أن يأكل منه بالمعروف، وقد نجدها متضمنة أحياناً في روح الوقف، وبين سطور تلك الشروط، فلا ينبغي أن نغفل عنها. فالأمر إذن هو تعظيم للعائد مقيد بالإحسان، مشروطا كان هذا القيد أم ضمنيا.

ومن جهة أخرى، فإننا نرى أن ما يقال عن تعظيم العائد المالي يقال بنفس القيد الذي ذكرناه، عن تعظيم المنافع من الأوقاف المباشرة. فالناظر على المسجد، سواء أكان إدارة حكومية أم جهة أخرى، مطالبَ أن يجعل المسجد متوفرا للصلاة، والاعتكاف، والوعظ، والإرشاد،  ولكل ما وضع المسجد له من عبادات وشعائر دينية، وذلك كأحسن ما يكون، بحيث يعظم المنافع التي يستخلصها المصلون وسائر الموقوف عليهم، على ضوء الأحكام الشرعية والشروط التي وضعها الواقف إن وجدت. والناظر على المستشفى الوقفي مطالب أن يديره بحيث يحقق أكبر قدر من المنافع للمرضى والأطباء وسائر العاملين في المستشفى، حسبما اشترطه الواقف وتحقيقا لأكبر قدر من غرض الوقف. ومثل ذلك ناظر المدرسة، وناظر الدار المحبوسة لسكن الذرية أو لقاءاتهم واجتماعاتهم.

كل هذا التعظيم للمنافع، يكون من خلال تحقيق البر والإحسان العام الذي يتفق مع شروط الواقف ورغبته في البر والإحسان. مثال ذلك قد يقبل ناظر المدرسة الوقفية فتح موقف السيارات فيها للمصلين  في مسجد قريب يوم الجمعة مجانا بدلا من تكليفهم أجرة لوقوف سياراتهم وقت الصلاة، باعتبار أن المدرسة ومواقفها قصد منها الواقف الانتفاع المباشر ولم يقصد الاستثمار، وإن دخول المسجد لصلاة الجمعة هو نفسه ينسجم مع أهداف البر والإحسان التي حبست المدرسة من أجلها. فالمدرسة من أهدافها أن تربي جيلاً يرتاد المساجد. قد يفـعل النــاظر ذلك على الرغم من أن تطبيــق مبــدأ التعظيــم -بحرفيته - قد يدفع به إلى أن يؤجر هذه المواقف للمصلين بدلا من منحها مجاناً.

         يضاف إلى ذلك أن تعظيم منافع الموقوف عليهم ينبغي أن يكون في حدود شروط الواقف. فقد نص الفقهاء أنه لا ينقل مسجد من مكان إلى آخر، إلا إذا امتنع الانتفاع به حيث حبسه الواقف. فليس للمتولي هنا أن يعُدّ المصلين فينقل المسجد كلما وجد عددا أكبر في مكان آخر قريب....

ثانياً: مدى جواز تحويل وقف مباشر إلى وقف مباشر واستثماري معاً:

إن الإجابة على هذا التساؤل إجابة عامة يتوقع لها أن تكون سلبية، أو على الأقل غير محددة، لأن تحويل وقف مباشر إلى وقف مباشر واستثماري معا أمر ليس من شرط الواقف، ولكنه مع ذلك يحتاج إلى تفصيل. فينبغي أولاً تحديد ما إذا كان التحويل يتضمن تغييرا مهما في هدف شروط الواقف. وإذا كان يتضمن تغييرا لها، فهل التحويل في صالح الوقف ؟ وهل يقلل من المنافع المخصصة للموقوف عليهم أم لا يقلل من ذلك؟ وهل هو أمر مفيد جدا أو ضروري للوقف وقدرته على إنتاج منافعه؟ أم أن المصلحة المتحققة من التحويل هامشية فقط؟

فلندرس أولا بضعة صور ليست كثيرة الحدوث في العادة، ثم ننتقل إلى الصورة الأكثر شيوعا في الأوقاف القائمة فعلا في البلاد والمجتمعات الإسلامية المعاصرة. فمن الصور المحتملة الحدوث أن يمكن تأجير مدرسة وقفية في الأوقات التي لا تنعقد فيها الدراسة، كالأمسيات والعطل وغير ذلك لإقامة مهرجانات واجتماعات مباحة شرعا، دون أن يؤثر ذلك التأجير على الاستعمال المدرسي للمبنى وملحقاته، مع استعمال العائد الناتج عنه لصالح المدرسة نفسها. أو أن يكون المسجد أثرياً، ومثله المكتبة الأثرية والمدرسة الأثرية مثلا، فيدخله السياح لقاء أجر محدد، ويستعمل العائد لصالح الوقف نفسه، مع مراعاة عدم وجود أي تأثير سلبي لزيارة السياح، مما يصعب تحمله أو يسبب أي حرج للمنتفعين من المال الموقوف حسبما هو معدٌ له، ومع تجنب أي محذور شرعي في هذا النوع من السياحة.

ومثله أيضا أن يكون الوقف سكنا جامعيا للطلبة فيطالب الناظر الساكنين بعدم المكث في المبنى في العطل الجامعية ويؤجر المبنى للمؤتمرات والندوات، فيكون في ذلك دخل للوقف ينتفع به في صيانته، وتخفيض أجور السكن للطلبة، وإيراد قد يحتاج إليه لإدارة المبنى وإضاءته وتدفئته وصيانته، الخ .

وعلى فرض عدم وجود أية مخالفة شرعية في أي من هذه الاستثمارات الإضافية، فإنه من الصعوبة بمكان الاعتراض - من الوجهة الشرعية - على هذه الصور من الاستثمار الجانبي للأموال الوقفية المباشرة، الذي ما كان في حسبان الواقف ولم يرد في شروطه لأن فرصه ما أتيحت إلا بسبب التغيرات الثقافية والتكنولوجية التي حصلت في العصور الأخيرة فقط .

أما الصورة الأكثر تكرارا، فهي أن يتهدم المبنى الوقفي، أو يحترق أو يحتاج إلى إعادة بنائه، أو تكون هنالك مصلحة استثمارية كبيرة في هدمه وإعادة بنائه. فتبرز هنا إمكانية بنائه من أدوار عديدة، بحيث يبقى واحد منها أو أكثر، حسب الحاجة ومصلحة غرض الوقف، للاستعمال الوقفي، وتخصص باقي الأدوار للاستثمار لصالح الوقف نفسه. إن مثل هذه الحالة قد حصلت فعلا في كثير من المباني الوقفية من مساجد ومدارس ومستشفيات وزوايا ومكتبات ومبان سكنية، وما زال ذلك يتكرر في كل حين في جميع المدن والحواضر الإسلامية. بل قد يكون فيه تعظيم لغرض الوقف نفسه، بحيث تزداد المساحة الاستعمالية المخصصة لأغراض الوقف المباشرة، كأن تخصص لها عدة أدوار في المبنى الجديد بدلا من دور واحد كما كان حين أوقفه الحابس .

وهنا أيضا لا نرى وجهاً للاعتراض الشرعي، طالما أن ذلك لايتعارض مع حقيقة قصد الواقف ولا مصلحة الموقوف عليهم. وإن كنا نعتقد أن أي استثمار للأدوار الأخرى ينبغي أن يكون مما ينسجم مع طبيعة الغرض العام للوقف وهو البر والإحسان، فلا يجوز استثمار أي جزء من المبنى الجديد فيما هو معصية أو مفسدة لأنها تتعارض مع روح الطاعة والتقرب إلى الله تعالى مما هو متضمن في كل وقف .

ولا ينبغي أن يقتصر هذا التحفظ، أو هذا الشرط، على وقف المسجد، بل  إنه ينسحب وينطبق على كل وقف إسلامي  آخر، لأن كل وقف هو طاعة وقُربة. وإن كان ينبغي الإشارة إلى أن أية مخالفة شرعية تتغلظ بالنسبة لوقف المسجد .

فلا بد لنا إذن من الخلوص إلى تحديد شروط التعديل في نوع استعمال الوقف بإضافة استعمالات استثمارية إلى الاستعمال الأصلي، ولعل أهم هذه الشروط ما يلي:

1- أن تترك للاستعمال الأصلي مساحة كافية بحسب بيئة الوقف الاجتماعية والاقتصادية، بحيث لا تقل على كل حال عما كانت عليه عند تحبيسه.

2- أن لا تتعارض استعمالات الأجزاء الأخرى من المبنى مع أهداف الوقف في الطاعة والبر. ومن باب أولى أن لا تتضمن مخالفة شرعية واضحة.

3 - أن تستعمل الإضافات المتاحة في المبنى لأهداف تتضمنها شروط الواقف بشكل عام مما يشبه تسهيل ارتياد المسجد بالنسبة لوقف المدرسة في المثال الذي ذكرناه من السماح للمصلين بوضع سياراتهم في موقف المدرسة وقت الصلاة؛ وذلك إذا كان هذا الاستعمال مجانيا.

4 - أن تُرد عوائد الإضافات المتاحة - نتيجة استثمارها - على هدف الوقف نفسه، فإن فاضت تعامل معاملة الفائض في إيرادات الوقف عن حاجة أغراضه كما بينها الفقهاء. بحيث ترد على هدف قريب منه في النوع والمكان، وإلا فعلى الفقراء والمساكين.

5- أن يمكن تمويل الزيادات في البناء بالطرق المشروعة ودون التضييق على هدف الوقف الأصلي. فإذا تم التمويل بطريق تقتضي رد المال الممول مع عوائد له مشروعة (أو بدونها) أن يكون في إيرادات الإضافات الوقفية ما يفي بسداد كل ذلك.

فإذا ما توفرت هذه الشروط، فإنه يمكن القول بإمكان تحويل الوقف المباشر إلى وقف ذي استعمالين:  مباشر واستثماري، حتى ولو كان نص الواقف يمنع ذلك. لأن مثل هذا النص المانع ليس له تأويل سوى التعنت والتعسف، وقد ألغى الفقهاء شروط الواقف إذا تضمنت تعنتا وتعسفاً لاطائل منهما.

الفصل الرابع: أهداف استغلال الوقف وتنميته

سنميز في هذا الفصل بين التنمية والاستغلال. فالتنمية يقصد منها زيادة حجم الأموال المستغلة أو الاستثمارية أو الرأسمالية للوقف. كأن يكون الوقف أرضا سكنية معطلة لا بد لاستثمارها من البناء عليها، ويحتاج ذلك البناء إلى إضافة استثمارية جديدة، تضاف إلى رأس مال الوقف نفسه؛ أو تكون الأرض ملحية مثلا فتحتاج إلى عمارة واستصلاح قبل أن يمكن زراعتها مما يتطلب استثمارات جديدة. وهذا النوع من النشاط التنموي يتميز بأنه يزيد في القيمة الرأسمالية لمال الوقف وفي طاقته الإنتاجية، وهو في الغالب طويل الأجل أو متوسطه على الأقل.

أما حاجات الاستغلال، فهي لتمكين مدير المال الوقفي من استثمار الوقف نفسه. كأن يحتاج الوقف إلى صيانة فيخصص المتولي جزءاً من إيرادات الوقف للإنفاق على صيانته، أو يقترض على حساب الوقف ليدفع القرض بعد ذلك من إيراده. أو تحتاج الأرض الزراعية الموقوفة إلى البذور والسماد معاً، فيعمد الناظر إلى الاستعانة بمصادر تمويلية متاحة. وهذا النوع من النشاط هو في العادة قصير الأجل، لا يتجاوز السنة الواحدة أو الموسم الزراعي، ولا يزيد في القيمة الرأسمالية للوقف.

ولا شك أنه لا يوجد معيار دقيق للتمييز بين هذين النوعين من الحاجات التمويلية في بعض الحالات الهامشية. فقد تكون نفقات الصيانة كبيرة أحياناً، مما يجعل إطفاءها يتطلب عدة سنوات، ولكنها في الوقت نفسه لا تزيد في القيمة الرأسمالية للمال الموقوف، أو تكون نفقة العمارة والاستصلاح ضئيلة، تسدد من إيرادات الموسم الواحد، وهي مع ذلك تتضمن زيادة رأسمالية ملحوظة في مال الوقف. ومع ذلك فإن التمييز بين هذين النوعين من التمويل بالاستناد إلى معيار مدة التمويل، يبقى صالحا لمعظم الأحوال، وبخاصة أن الصيغ التي تصلح لكل منهما  قد تختلف اختلافا كبيرا بين الواحد والآخر، كما أن المؤسسات التي تقدم كل نوع من هذين التمويلين ليست في العادة واحدة.

ولهذا التمييز بين استغلال الوقف وتنميته أهمية كبيرة من الوجهتين التطبيقية والشرعية. فهو يطرح مشكلة تمويل الوقف كقضية شرعية تتلخص بضرورة تحديد ما إذا كان من المسموح به تخصيص جزء من إيرادات الوقف لتنميته أم لا. ولكننا سنقدم إلى مناقشة ذلك بمقدمة تبين أن هذه المسألة مستجدة مستحدثة لم تتطرق إلى أصلها الدراسات الفقهية التقليدية عن الوقف.

حداثة طرح مسألة تنمية أموال الأوقاف:

لا شك أن بناء ما تهدم من الأملاك الوقفية، وإعمار ما احتاج إلى عمارة واستصلاح من أراضيه مسألة قديمة قدم الوقف نفسه. ولم يغفل الفقهاء الحديث عنها في دراساتهم، كما لم يقصِّروا في التفكير بأساليب تمويل إعادة هذه الأملاك الوقفية إلى مجال الاستغلال والاستثمار حتى يمكن لها أن تؤدي الدور الذي رسمه لها الواقف. وقد اعتبروا إعمار ما تهدم وإصلاح ما أفسدته عوادي الدهر من واجب المتولي، وإن كان يحتاج في ذلك  إلى إذن من القاضي إذا كان ذلك مما يرتب على الوقف ديونا لا بد من سدادها في المستقبل، أو ينشئ التزامات طويلة الأجل تؤثر على حقوق الموقوف عليهم أو على أغراض الوقف.

ومن جهة أخرى لا نجد فيما بين أيدينا من فصول دراسات الفقهاء حول الوقف وأمواله حديثا تفصيليا عن زيادة رأس مال الوقف نفسه عن طريق أعمال تنموية مقصودة تتضمن استثمارا ماليا جديدا يضاف إلى أصل المال الموقوف.

ومع ذلك فقد حدثنا الفقهاء عن صورتين مهمتين من صور تنمية مال الوقف. أولهما حفر بئر في أرض الوقف الزراعية من أجل التمكين من زراعتها، أو لزيادة مردودها، بتحويلها من أرض تزرع بعلا إلى أرض مسقية. ولا شك أن الوسائل التي كانت متوفرة لحفر الآبار لم تكن لتجعل تكلفة حفر البئر عالية بحيث لا يمكن تغطيتها من إيرادات السنة نفسها. ولكن هذه العملية هي عملية تنموية دونما أدنى شك، لأنها تزيد في إنتاجية الأرض وقيمتها الرأسمالية، حتى في تلك العصور، وبالرغم من عدم ارتفاع تكاليفها في العادة. أما الصورة الثانية فهي إضافة وقف جديد إلى مال وقف سابق مما سنبحثه في فصول صيغ التمويل من هذا البحث.

ولعل مما كان يقيّد النظر الفقهي في مسألة تخصيص جزء من إيراد الوقف للزيادة في رأسماله هو  مبدأ أساسي من مبادئ الوقف، وهو وجوب احترام شروط الواقف. لأن الزيادة الرأسمالية في مال الوقف قلما تخلو من  تغيير صريح أو ضمني في تلك الشـــروط، أو في طريقة تحقيقها، وبخاصة إذا مالاحظنا أنه لم تحدث تغيرات كثيرة في تكنولوجيا البناء خلال عصور تاريخية طويلة، هي نفس الفترة الذهبية لنمو الدراسات الفقهية.

ولعل مما يلفت النظر أيضا أنه على الرغم مما يحدثنا به المؤرخون من توسع بعض الأمصار، نحو الكوفة ودمشق وبغداد والقاهرة، والكثافة السكانية العالية التي حصلت في كثير منها، مما أدى إلى ارتفاع واضح في أسعار الأراضي والعقارات إضافة إلى كثير من السلع الأخرى، فإن الفقه الإسلامي بقى متمسكا بشروط الواقف بشكل دقيق، ولم يحدثنا عن تنمية عقار الوقف بزيادة مبانيه فوق ما حبسه الواقف، من أجل زيادة منفعة الموقوف عليهم، ورغبة في تنمية أموال الوقف وزيادة موجوداته.

والذي نعتقده في هذا السبيل أن هنالك عاملين هامين حدثا في البلدان الإسلامية خلال القرن العشرين الحالي يمكن اعتبارهما مسؤولين عن بروز مسألة تنمية أموال الوقف إلى السطح واحتلالها أهمية لم يشاهد مثلها في الماضي. وهذان العاملان هما :

1- التقدم الكبير في تكنولوجيا البناء.

2- زيادة التركز السكاني في الأمصار الكبيرة.

         فالعامل الأول أدى إلى استغلال أحسن للمساحات الصغيرة من الأراضي السكنية في المدن خاصة، بأن مكّن من التعالي أو التطاول غير المسبوق في البنيان. والعامل الثاني زاد الطلب على المباني السكنية والتجارية. كل ذلك أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار الأراضي. فهل يعقل في مثل هذه الأحوال أن يترك مبنى وقفي صغير في وسط مكة المكرمة أو اسطنبول، في وقت صارت فيه قيمة الأرض وحدها تعادل مئات بل آلاف ما كانت عليه، وارتفعت المباني من حوله إلى عشرات الطبقات علوا فوق الأرض، كما نزلت عدة طبقات في باطن الأرض؟ هذه المفارقة الكبيرة استدعت - ولا شك - المطالبة على كل صعيد بضرورة تنمية هذه الأملاك، وبخاصة أن هذه التنمية - وإن غيرت شكل المدرسة أو المسكن الوقفي - تستطيع أيضا أن تضاعف المنافع، أو العوائد، للغرض الموقوفة عليه أضعافا كثيرة.

         ولا شك أن هنالك عاملا ثالثا ينبغي أن نأخذه في الحسبان  أيضا. وهو أن فترة السبات الطويل للأمة الإسلامية قد رافقها ركود اقتصادي عام، سواء أكان ذلك في أملاك الأوقاف، أم في أملاك الدولة، أم في أملاك القطاع الخاص. فتراجعت الزراعة وأهمل كثير من الأراضي الزراعية، وقفية كانت أم غير وقفية. والعودة إلى استثمار هذه الأملاك واستغلالها تتطلب استثماراً رأسمالياً جديداً لابد منه.

         لذلك، فإن مسألة تنمية أملاك الأوقاف ينبغي أن ينظر إليها على أنها قضية جديدة حديثة ، سٍواء أكانت جدتها من حيث العوامل التي أدت إليها، أم من حيث أهميتها وحجمها في الواقع الاجتماعي والاقتصادي المعاصر؛ وإن كانت قديمة بطبيعتها وأصولها وجذورها.

تخصيص جزء من عائدات الوقف لإنماء رأس ماله:

الأصل في الوقف أن يحبس - منذ تاريخ حبسه - في حالة صالحة للاستعمال للأغراض التي أرادها الواقف. ويصعب القول بوقف لا يصلح - منذ لحظة تحبيسه - لإنتاج المنافع المقصودة لأغراضه، وإن كان ذلك ممكنا من الناحية النظرية البحتة. ففيما عدا هذا الإمكان النظري، يمكن القول إن أملاك الأوقاف لم تكن لتحتاج إلى تنمية لحظة وقفها وتحبيسها. ويترتب على ذلك فرضية مرافقة هي أنه ما لم يكن لدينا نص واضح من الواقف بعكس ذلك، فإنه من الصعب أيضا القول بأن الواقف قصد إلى حجز جزء من عائدات الوقف من أجل الزيادة في رأسماله.

وبمعنى آخر، فإنه يفترض أن الواقف قد قدم أصلا ثابتا تُستخلص منه منافع تستعمل لأغراض الوقف، أو عوائد مستقبلية توزع على الموقوف عليهم، وقد قصد من الوقف أن تستعمل كل تلك المنافع أو العوائد التي تولدها أصوله في أغراضه، دون أن يضاف أي جزء من تلك العوائد إلى أصل المال الموقوف على سبـيل الزيادة فيه. وهذا لا يشمل  -بطبيعة الحال- نفقات الصيانة التي اتفق الفقهاء على ضرورة أخذها من عوائد الوقف قبل التوزيع، لأنها ضرورية لاستمرار الوقف واستمرار عطائه.

وإذا لم يشترط الواقف نفسُه الزيادة في أصل الوقف بتخصيص جزء من عوائده لذلك، فإنه لا يقبل القول بإمكان القيام بذلك، لأنه يتعارض مع حق الموقوف عليهم - أو أغراض الوقف - في منافعه وعوائده كلها دون نقصان. فالواقف قصد توزيع المنافع والعوائد التي ينبغي أن تُرد على أغراض الوقف والمستفيدين منه.

معنى ذلك أنه ما لم ينص الواقف نفسه على أسلوب للزيادة في أصل مال الوقف من إيراداته، فالأصل أن لا يصح تخصيص أي جزء من الإيرادات لإنماء الوقف، لأن حق الموقوف عليهم متعلق بهذه الإيرادات، وبها كلها، بعد صيانة الوقف والمحافظة على أصل ماله دون نقصان؛ ولكن دون زيادة أيضا. هذا هو الأصل أو المبدأ العام في إنماء أموال الأوقاف.

وإذا أنعمنا النظر في أبحاث الفقهاء وجدنا في طياتها تطبيقات عديدة لهذا المبدأ. فقد نصوا على أن ما فاض عن غرض وقف معين من إيراداته ينبغي أن يصرف إلى أقرب غرض له من حيث نوع الغرض وموقعه الجغرافي. وإذا انقطع غرض الوقف، فإن كان معلوم إمكان الانقطاع منذ تاريخ إنشاء الوقف، فإن الوقف نفسه باطل على رأي الكثيرين؛ وإذا لم يكن معلوما فترد عائدات هذا الوقف إلى غرض مشابه، وإلا فعلى الفقراء والمساكين، باعتبار ذلك غرضاً عاماً يشــمل كل ما لم يوجـد له غرض. كما نجــد عند الفقهاء صحــة الوقف ولو لم يحدد الواقف غرضا له، ويعتبر غرضه للفقراء والمساكين بنفس الاعتبار المذكور، فالإحسان إليهم هو رأس أعمال البر والصدقات كلها.

ويترتب على ذلك أن المتولي، الذي يكوِّن لديه فائضا من عائدات الوقف، مقصر في حق الموقوف عليهم، يستحق المحاسبة، وقد يستحق العقوبة والعزل، لأنه قد قصر في إعطائهم حقوقهم التي رتبها لهم نص الواقف، مما أقرته الشريعة ومنحته قوة تقارب النص الشرعي نفسه.

ولنا أن نتساءل - رغم القناعة الكاملة بهذا المبدأ - حول بعض الصور التي تولدت عن الظروف والأحوال المستجدة مما قد يشكل استثناءات لهذا المبدأ.

فمن هذه الصور، أن تتراكم لدى الناظر مبالغ كبيرة من عائدات فاضت عن التوزيع بسبب اجتهاد منه - قد لا يوافَق عليه - وأن يكون غرض الوقف ضيقا، بحيث لا يستوعب كل هذه المبالغ المتراكمة، بل قد تكون عوائد هذا المال المتراكم نفسها كبيرة، بحيث تغطي حاجات أغراض الوقف. ومنها أيضا أن تنشأ إيرادات كبيرة غير متوقعة لمال الوقف ولا تستطيع أغراضه أن تستوعبها، أو استثمارات جانبية لا تؤثر على الاستعمال الأصلي لمال الوقف. كأن توضع لوحات إعلانات ضوئية مأجورة على سطح مبنى مدرسـة وقفية، أو أن يؤجر مبناها في فترات العطل الدراسية. ومنها أيضاً أن تستحق مبالغ لمال الوقف، نتيجة لفعل ضار من الغير، فتحكم لها المحكمة بتعويضات كبيرة، دون أن يمكن الاستغناء بمال وقفي جديد بدل المال التالف، كأن تكون المتلفات مخطوطات نادرة مثلاً.

على أن هناك صوراً أكثر تكراراً وشيوعاً في واقع أملاك الأوقاف، ساعدت على بروزها على الساحة الأوضاع الاقتصادية والسياسية والقانونية السائدة في عالم اليوم، إضافة إلى التغيرات الاقتصادية التي ذكرنا بعضها  سابقا. ومن أبرز هذه الصور أن يتحول استعمال أرض من زراعية إلى حضرية بسبب توسع التمصر Urbanization وأن يكون الاستغلال الإنتاجي الجديد الذي يحقق مصالح غرض الوقف مما يتطلب إضافة استثمارات جديدة كبيرة، ولكن إيراد الوقف - بعد بنائه - كبير بحيث يزيد في منافع الموقوف عليه ويسدد على أقساط - مبالغ الاستثمارات التي أضيفت إلى أصل الوقف، بحيث تصبح الاستثمارات الجديدة مملوكة للوقف بعد فترة قصيرة من الزمن. مما قد تنشأ معه زيادات إضافية كبيرة في منافع الوقف وإيراداته.

ومن هذه الصور المتكررة أيضا استغناء غرض وقفي عن جميع إيرادات ماكان قد أوقف عليه من أملاك وعقارات، بحيث تتراكم عوائدها قبل أن تجد لها استعمالاً جديداً. كما حصل لأوقاف الحرمين الشريفين عندما قررت الحكومة السعودية القيام بجميع نفقات توسعة وصيانة وإدارة الحرمين الشريفين. وكما حصل لأوقاف كثيرة في بعض البلاد الإسلامية بعد أن أقيمت وزارات وإدارات للأوقاف صارت تقوم بحاجات المساجد بتخصيص موارد في الميزانية العامة لذلك.

ومن هذه الصور أيضاً وجود أوقاف في بعض البلدان لأغراض في بلدان أخرى، ولكن الأوضاع السياسية والقانونية فيما بين هذه الدول لاتسمح بإنفاق عائدات هذه الأوقاف على أغراضها فتتراكم لدى إدارات الأوقاف. ويشبه ذلك وجود فوائض في إيرادات الأوقاف في بعض البلدان، ولكن تلك الأوضاع نفسها لاتسمح بإنفاقها على أغراض مشابهة قريبة خارج الحدود الجغرافية لبلد الفائض.

ومنها ما حصل في بعض البلدان من تراكم للإيرادات الوقفية لدى بعض وزارات الأوقاف بسبب عدم معرفة أغراض الوقف، وقلة الحاجة إلى تلك الإيرادات، مع الحرص على الالتزام بحرمة صرفها في غير أغراضها، وضعف البنية الإدارية لبعض وزارات الأوقاف مما جعلها عاجزة عن اتخاذ القرار التوزيعي اللازم لهذه الإيرادات فتراكمت لديها.

         إن معظم الصور المذكورة، وما شابهها، تعتبر صورا مستجدة ينبغي النظر إليها من خلال مقاصد الشريعة في حفظ المال وتنميته؛ وفي تعظيم البر والإحسان، ومنافع الأموال الموقوفة في كل ذلك؛ وفي حفظ حقوق الموقوف عليهم وتعظيمها؛ وفي حفظ حقوق الواقف الذي قصد البر والإحسان بصدقته الجارية، وذلك بتعظيم أجره بسبب تعظيم الانتفاع من وقفه. ولله، سبحانه، شأنه فيما يلهم به من خير فيكون لفاعله من الأجر فوق ما كان يظن ويحتسب...

أما فيما عدا هذه الصور وأمثالها، فإن الوضع الطبيعي أن توزع جميع عوائد الوقف ومنافعه على مستحقيه، ولا ينبغي لإدارات الأوقاف حجز ذلك عنهم بحجة التنمية أو غيرها، إلا إذا حصلت الإضافة إلى أصل الوقف بموافقة الموقوف عليهم - شريطة أن يكونوا أهلاً للإرادة بأن يكونوا كلهم من المتمتعين  بأهلية التصرف حسب تعريفها الشرعي - وتعتبر هذه الموافقة، عندئذ، بمثابة التزام بإنشاء وقف جديد من قبلهم يضاف إلى أصل مال الوقف القديم بنفس شروطه .

على أننا ينبغي أن نلاحظ أن بعض التنظيمات الاقتصادية الحديثة، وبشكل خاص الشركة المساهمة، تكوِّن في العادة احتياطات للتوسع والنماء، ترصدها من عائداتها - بصورة يلزمها بها القانون أحياناً، أو بصورة طوعية اختيارية أحيانا  أخرى. فلماذا لا تلحظ مثل هذه الفكرة في الأوقاف الجديدة، فتضع الجهات المعنية بتشجيع إنشاء أوقاف جديدة نماذج من الوثائق الوقفية التي تتضمن شرطا يشترطه الواقف للنماء، بأن تُحتجز نسبة من العائدات الصافية للمال الموقوف لتزاد في أصله، فيكبر رأس مال الوقف مع الزمن، وتتزايد منافعه وتنمو، ويتزايد بذلك أجر الواقف - بإذن الله تعالى - بجريان صدقته وتوسعها وعموم خيراتها.