جامعة الملك عبدالعزيز

    كلية الاقتصاد والإدارة

مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي

ندوة حوار الأربعاء بعنوان

هل الزكاة محايدة اقتصاديـًا ؟

يعرضه: د. نجاح عبدالعليم أبو الفتوح

باحث بمركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي

الأربعاء

29/11/1424هـ

الموافق 21/1/2004م

 

المستخلص

هل الزكاة محايدة اقتصاديـًا ؟

 

من المعلوم أن الزكاة والضريبة تتشابهان من حيث كون كل منهما استقطاعاً من أموال المكلفين. ويعتبر حياد الاستقطاع معياراً من معايير الحكم على الأنظمة الضريبية. ويثور التساؤل: هل الزكاة باعتبارها استقطاعاً من أموال المكلفين محايدة اقتصادياً ؟ وفي إجابتنا على هذا التساؤل سنبدأ - أولاً - بالتعريف بمفهوم وأهمية الحياد الضريبي، ثم نتبع ذلك - ثانياً - بعرض بعض مظاهر حياد وعدم حياد الزكاة، ونختتم - ثالثاً - بمحاولة للإدلاء بدلاء متواضع في الإجابة على تساؤلنا هذا الذي طرحناه .

أولاً : مفهوم وأهمية الحياد الضريبي

يقصد بالحياد الضريبي ألا يترتب على فرض الضرائب تغيرات جوهرية في السلوك الاقتصادي فلا تغير هذه الضرائب من شروط الاختيار الاقتصادي بحيث تبقى القرارات الاقتصادية تتخذ بناءً على الأهميات الاقتصادية النسبية للبدائل المتاحة بدلاً من أن تتخذ لاعتبارات ضريبية .

ولا يمكن تحقيق الحياد الضريبي على نحو تام إلا حال فرض ضريبة إجمالية مقطوعة لأنه - في هذه الحالة - أياً ما كان القرار الاقتصادي الذي يتخذه الفرد فإنه لن يؤثر على مقدار الاستقطاع الضريبي، اللهم إلا إذا اتخذ قراراً بتفضيل الفراغ على العمل . وحيث إنه لا يوجد في الوقت الراهن نظام ضريبي يقتصر على ضريبة إجمالية مقطوعة فإن غاية ما يطمح إليه الاقتصاديون من حياد في النظام الضريبي ينصرف إلى عدم اختلاف أسعار الضريبة في هذا النظام بين الأنماط المختلفة من الاستهلاك والاستثمار. ومن المعلوم أن عدم الحياد الضريبي يأتي من روافد عديدة من أهمها :

1 - عدم شمول الوعاء الضريبي .

2 - التفاوت في الأسعار الاسمية للضرائب .

3 - التفاوت في تحديد مفهوم المادة الخاضعة للضريبة .

4 - الإعفاءات الضريبية .

ويدافع الاقتصاديون عن الحياد الضريبي باعتباره مطلباً للحفاظ على الكفاءة الاقتصادية . وتفترض هذه المقولة أن العمل المسبق للاقتصاد قبل فرض الضريبة يتسم بالكفاءة، كما تفترض - ضمناً - مفهوماً للكفاءة متفقاً عليه في النظم الاقتصادية المختلفة . وترد على هذه المقولة مآخذ لعل من أهمها:

1-    إن العمل المسبق للاقتصاد قبل فرض الاستقطاع قد لا يتسم بالكفاءة مثلما في الحالات المعروفة لإخفاق السوق، والتي قد يكون عدم الحياد فيها أمراً مطلوباً لعلاج القصور في الكفاءة .

2-    عدم كفاية المفهوم التقليدي للكفاءة لاستيعاب أبعادها في الاقتصاد الإسلامي، ويمكن لنا في هذا الصدد - أن نورد ما يلي :

  أ/  أن العدالة في النظام الإسلامي - وعلى خلاف الاقتصاد التقليدي - هي - في رأينا - متغير داخلي في نظام الكفاءة لأن هدف تحقيق أقصى إشباع ممكن يتحقق بمزاوجة الكفاءة والعدالة من خلال رعاية الأولويات والاعتدال والحلال وتحقيق حد الكفاية . فالكفاءة - فيما نرى - لا تنصرف فقط إلى عملية تعظيم إشباع الحاجات بل تتضمن أيضاً مدى نطاق هذه الحاجات، هل  هي فقط حاجات القادرين على الدفع في ظل توزيع للدخل والثروة قد يكون غير عادل، أم هي الحاجات المعتبرة كلها بحسب أولوياتها؟ وفي ضوء ذلك فإن ما يتصف بالعدالة لا ينتقص من الكفاءة حتى وإن كان غير محايد، اللهم إلا إذا كان يمكن تحقيق نفس مستوى وهيكل الحاجات بتكلفة أقل .

 ب/ إن الأثمان التي يتم ترتيب البدائل في الاختيار على أساسها ليست ذات بنية موضوعية صرفة لا تتطرق إليها أحكام قيمية، بل تتأثر هذه البنية بالضرورة بالأحكام القيمية من خلال تأثير هذه الأحكام على السلوك القابع خلف جداول العرض والطلب التي تتحدد بتفاعلها الأثمان.

ج/ إن عائد النشاط الاقتصادي الإسلامي الذي يجري تعظيمه ليس عائداً مادياً فقط بل يوجد إلى جانب العائد المادي عائد غير مادي أيضاً يتمثل – في الدنيا – في حالة الرضا التي يستشعرها الإنسان المسلم عندما يلتزم بما أوجبه الله عليه في النشاط الاقتصادي، ونطلق عليه نحن "عائد الإلتزام" .

ثانياً : بعض مظاهر من حياد وعدم حياد الزكاة

1- مظاهر من حياد الزكاة : من أهم هذه المظاهر

  أ/  أن الزكاة تعتبر محايدة في إطار بعض أنماط الأموال الخاضعة لها، كالنقدين وعروض التجارة، حيث تفرض سعراً موحداً ونصاباً موحداً .

  ب/ أن الزكاة تتبنى معياراً موحداً بالنسبة لتقويم الوعاء واستيفاء الزكاة داخل كل نمط من أنماط الأموال، فإما تأخذ بمعيار عيني، كزكاة الزروع والأنعام، أو تأخذ بالتقويم بسعر السوق وقت الاستئداء، كزكاة عروض التجارة، وفقاً لما استقر عليه الفقه والفكر الاقتصادي والمحاسبي الإسلامي .

  ج/ تتبنى الزكاة معياراً موحداً لخصم الأعباء العائلية الحقيقية، فلا تربط ذلك بشروط معينة كالإعفاءات العائلية في بعض الأنظمة الضريبية المعاصرة .

2- مظاهر من عدم حياد الزكاة : من أهم هذه المظاهر

أ/  عدم شمول الوعاء لكل الأموال إذا ما أخذنا بالآراء المضيقة لوعاء الزكاة .

ب/ اختلاف الأسعار الاسمية بين الأوعية المختلفة، وعلى سبيل المثال فإن سعر الزكاة على النقدين وعروض التجارة 2.5% بينما سعر زكاة الزروع إما 5% أو 10% .

ج/ اختلاف النصاب بين أنماط الأموال المختلفة، واختلافه كذلك داخل بعض هذه الأنماط.

د/ عدم خضوع غير المسلم للزكاة .

هـ/ التفرقة في معاملة رأس المال : ويتمثل ذلك في إعفاء عروض القنية من الزكاة، وإلحاق الأصول الثابتة بها، وفرض الزكاة على رأس المال المتداول ورأس المال النقدي العاطل .

ثالثاً : هل الزكاة محايدة اقتصادياً ؟

هل نستنتج مما تقدم عرضه من مظاهر عدم حياد الزكاة أن الزكاة غير محايدة .

الحقيقة أن المعول عليه في مدى حياد الاستقطاع من عدمه ليس توفر مظاهر عدم الحياد في ذاتها بل ما تتركه من تأثير على سلوك الناس في الاقتصاد محل الاعتبار على نحو يضر بالكفاءة الاقتصادية وبافتراض أن الاقتصاد كان يحقق هذه الكفاءة في غيبة الاستقطاع . كذلك فإن عدم الحياد قد يكون مطلوباً بالقدر الذي يعالج أوجه قصور في الكفاءة . ونناقش فيما يلي موضوع حياد الزكاة في إطار هذين المحورين : مدى حياد الزكاة من خلال دراسة تأثيرها على الأثمان النسبية، والعلاقة بين أوجه عدم حياد الزكاة والكفاءة .

1     - تأثير الزكاة على الأثمان النسبية

من المعلوم أن الفقه والفكر الاقتصادي والمحاسبي الإسلامي يذهب إلى كون الزكاة إنفاقاً للدخل وليست تكلفة عليه، كما أنه لا يتوقع ولا يجب نقل عبئها باعتبارها فريضة واجبة على المكلف بها دون غيره . وبالتالي فإن تباين هذا الاستقطاع بين الأوعية المختلفة لا يتوقع أن يؤثر - من هذا السبيل - على الأسعار النسبية، ومن ثم فالزكاة في هذا الإطار تعتبر محايدة .

وأما فيما يتعلق بالزكاة كإنفاق فإن مجالات التأثير في الأسعار قد تكون مجالات كبيرة نكتفي منها في هذا الصدد بدراسة أثر إنفاق جانب من حصيلة الزكاة على فاقدي وناقصي الكفاية - وفي هذا الصدد يتوقع أن تتأثر الهياكل الطلبية لهؤلاء (بل وهياكل العرض أيضاً) ومن ثم الهياكل الطلبية الإجمالية، وهياكل الأسعار النسبية، وعلى نحو يتوقف على طبيعة ودرجة استجابة هياكل العرض، وبافتراض بقاء العوامل الأخرى على حالها . وهذا التعديل رغم أنه يعني عدم حياد الزكاة في هذا الصدد إلا أنه يعتبر أمراً مرغوباً لتحقيق الكفاءة الاقتصادية بمفهومها في الاقتصاد الإسلامي من خلال الإسهام في تحقيق كفاية فاقدي وناقصي الكفاية ذوي المنافع الحدية الأعلى للدخل والاستهلاك، وذلك إما بطريقة مباشرة من خلال ارتفاع مستوى وهيكل إنفاقهم الاستهلاكي أو بطريقة غير مباشرة من خلال ارتفاع مستوى إنفاقهم الاستثماري .

2 - العلاقة بين الكفاءة وأوجه عدم حياد الزكاة

نظراً لضيق المجال نختار وجهين من أوجه عدم حياد الزكاة ونخضعهما للتحليل .

الوجه الأول : عدم خضوع غير المسلم للزكاة

هل تغير هذه الحقيقة من السلوك الاقتصادي ؟

بالنسبة للمسلم فإن الزكاة كاستقطاع هي كما سبق ذكره، إنفاق للدخل وليست تكلفة عليه، ومن ثم فلا يتوقع أن تؤدي إلى اختلاف هياكل التكلفة بين الأوعية المختلفة، ومن ثم هياكل الأسعار . بل ربما تكون الزكاة حافزاً لدى المسلمين لزيادة العمل والإنتاج، ومن ثم الدخول المتوقعة حتى يزيد مقدار الزكاة الواجبة وتزيد إمكانيات الإنفاق في سبيل الله والتعرض لفضله . وهذا بالإضافة إلى أن إيتاء الزكاة يعتبر من معطيات تعظيم عائد الالتزام الذي هو أحد مكوني العائد الكلي في الاقتصاد الإسلامي فيما نراه .

وأما بالنسبة لغير المسلم، فلا يتوقع أن تتغير خياراته نتيجة عدم خضوع أمواله للزكاة، وذلك بسبب عدم تغير هياكل الأسعار بعد فرض الزكاة .

الوجه الثاني : التفرقة في المعاملة الزكوية لرأس المال

فمن المعلوم أن عروض القنية معفاة من الزكاة، ويقصد بعروض القنية تلك التي تقتنى للاستعمال وليست معدة للبيع والاتجار كالمنزل الذي يسكنه صاحبه والأثاث الذي يقتنيه للاستخدام . وألحقت في ذلك الأصول الثابتة في المشروعات الإنتاجية بعروض القنية باعتبارها هي أيضاً ليست معدة للبيع والاتجار .

وفي الحالة الأولى فإن إعفاء عروض القنية من الزكاة قد يكون أمراً مبرراً بأنها غير معدة للنماء بل ويمكن اعتبارها من تكاليف إنتاج الدخل ولكن ألا يشجع ذلك خيار الإنفاق على هذه العروض على حساب خيار الادخار والاستثمار ؟ في رأينا أن الحاجة إلى اقتناء عروض القنية حاجة معتبرة ومن ثم فإن الإنفاق عليها حتى وأن تأثر بعدم شمولها بفرض الزكاة فإنه إنفاق على حاجة حقيقية كما أن المفترض أن المسلم يلتزم بالاعتدال في قضاء الحاجات . وقضاء الحاجات في إطار الاعتدال والأولويات من صلب الكفاءة في الاقتصاد الإسلامي .

ولكن إذا ما انتقلنا إلى الحالة الثانية فإن إلحاق الأصول الثابتة بعروض القنية يثير تساؤلات عديدة، من أهمها :

أ/ هل يشجع ذلك على زيادة نسبة الأصول الثابتة في هيكل الأصول وعلى حساب الأصول المتداولة ؟ وما أثر ذلك على التكلفة المتوسطة للناتج ؟

ولسنا بصدد تقديم إجابة قاطعة على هذا التساؤل، وإنما سنكتفي بأن نعرض بعض الأفكار في هذا الصدد، ومنها : أن زيادة نسبة الأصول الثابتة في هيكل الأصول يتوقف - فيما يتوقف - على مدى تأثير ذلك على الربحية المقارنة لرأس المال  المستثمر في المشروع . كما أن تأثير زيادة نسبة الأصول الثابتة على متوسط تكلفة الإنتاج سيتوقف - فيما يتوقف - على نسب واتجاه التغير في كل من التكلفة المتوسطة المتغيرة والثابتة، المصاحبة لإحلال رأس المال الثابت محل رأس المال المتغير، كما يتوقف هذا التأثير أيضاً على أثر هذا الإحلال على حجم الناتج وجودته. وأخيراً فإن بعض الفقهاء والاقتصاديين يرون إخضاع الأصول الثابتة للزكاة .

ب/ هل يعتبر عدم إخضاع الأصول الثابتة للزكاة حافزاً سلبياً يتيح إمكانية ترك الأصول الثابتة دون مستوى التشغيل الكامل ؟ وهذا تساؤل وجيه، ولكننا نرى أنه يحد من هذه الإمكانية أن ترك هذه الأصول عاطلة - اختياراً - أمر غير مرجح لأن تحويل رأس المال النقدي إلى رأس مال عيني في المجال الاقتصادي يعني - عادة - الرغبة في تشغيله تشغيلاً اقتصادياً رشيداً، كما أن تركه معطلاً يعني ضياع العائد على رأس المال النقدي المستثمر فيه وهو – عادة -كبير نسبيـًا. والاحتمال الأقوى هو أن عدم الاستغلال الكامل لهذه الأصول إنما يكون عادة لأسباب أخرى غير اختيارية منها انخفاض الطلب على منتجات المشروع على نحو لا يمكن فيه تغطية جزء من التكاليف الثابتة أو تغطية إجمالي التكاليف المتغيرة. وأخيراً فإن التمييز لصالح الأصول الثابتة قد يكون في صالح عملية التنمية الاقتصادية التي تحتاج إلى مقادير هائلة من هذه الأصول .

وفي إطار المعاملة الزكوية التفضيلية لرأس المال تثور مسألة عدم إعفاء رأس المال النقدي العاطل الذي لا يدر دخلاً . والحقيقة أنه يمكن تبرير ذلك من وجهة نظر تحقيق الكفاءة بأن عدم الإعفاء - في هذه الحالة - يحفز خيار الاستثمار على حساب خيار الاكتناز. كما أن خيار الاحتفاظ بالسيولة هو عادة اختيار وليس اضطراراً . وهذا الخيار يمكن أن يكون ضاراً بالكفاءة، اللهم إلا أن يكون بغرض الوفاء بحاجات معتدلة للسيولة كالاحتفاظ بالنقود لإجراء المبادلات والاحتياط مثلاً، وهي حاجات تستلزم الاحتفاظ بالنقود بمقادير محدودة ولفترة تقل عادة - عن حول هجري . فإذا ما كانت هذه الأرصدة كبيرة نسبيـًا وثمة حاجة للاحتفاظ بها لفترة طويلة فيمكن حال ذلك تشغيلها في استثمارات قصيرة الأجل تتمتع بقدر عالٍ من السيولة ولحين الحاجة إليها .

الخلاصة : إن للزكاة أوجهـًا من الحياد، وهو حياد مفيد للكفاءة الاقتصادية، كما أن لها أوجهـًا من عدم الحياد، وقد تناولنا بعضـًا من هذه الأوجه بالتحليل، وقد يتبين من التحليل أن عدم الحياد في هذه الأوجه أمر مطلوب لتحقيق الكفاءة الاقتصادية (بمفهومها في الاقتصاد الإسلامي) التي يبتغى بالحياد تحقيقها . وهذا فضلاً عن ضرورة مراعاة أن هناك أوجهاً خلافية في أحكام الزكاة يمكن أن تسهم اعتبارات الكفاءة في عملية ترجيحها ... والله أعلم .

                                                د. نجاح عبد العليم أبو الفتوح

الأربعاء 29/11/1424هـ

  الموافق 21/1/2004م