دبي - العربية.نت
فجرت حلقة من برنامج "التقرير" الذي
يعده ويقدمه الزميل حسين شبكشي على قناة "العربية"، جدلا حول ما إذا كانت
البنوك التقليدية حلالا أم حراما، وحرمة الربا وحدود تلك الحرمة، وما إذا
كانت القيود في هذا الإطار تطال النقود التي تتغير قيمتها بتغير الزمن.
وتناولت حلقة البرنامج التي بثت الثلاثاء 18-10-2005 الحكم على التعاملات
طارحة أسئلة حول الفصل بين التعاملات المحرمة والتعاملات الأخرى التي لا
تعتمد الإقراض بالفائدة.
ولفت عضو مجلس
الشورى السعودي، عبد المحسن العبيكان إلى أنه يصعب الحكم على جميع تعاملات
البنوك بالربوية، في حين يبقى الإقراض بالفائدة محل النظر والإشكال وهو الذي يفتي به الغالبية على حد قوله بأنه من الربا لأن النقود تعتبر ثمنا.
وردا على سؤال حول الفصل بين الأمر الربوي البحت والأمر غير الربوي، قال العبيكان، "هو الإقراض إذا كان إقراضا بالفائدة هذا هو الذي يفتى بأنه من الربا".
وأشار
إلى أنه لا يوجد فرق في الربا بين القليل والكثير. وعن فرق الفائدة نفسها
إذا كانت مركبة في المسميات، تكلفة مصروف، تكلفة رسوم، تكلفة فائدة، أفاد
العبيكان بأن البنك إذا قام بتحويل مبلغ من بلد إلى آخر وأخذ أجرة عليه،
فإن مثل هذا الإجراء لا يعتبر ربا، لأن الربا ينحصر حاليا في الإقراض بفائدة.

قصور في الاجتهاد الاقتصادي
من
ناحيته، خالف أستاذ الاقتصاد المالي الدولي الدكتور حمزة سالم هذا الرأي
مشيرا إلى أن المسألة تحتاج إلى تفصيل وشرح, متسائلا "ما هو المال المقرض؟ هل يجري فيه الربا أم لا يجري فيه الربا؟". واستطرد
في أسئلته "في الأصل قبل أن نقول هذا قرض ربوي، هل هذه الأموال من الأموال
الربوية أم ليست أموالاً ربوية بالأساس؟ وهذا يحتاج إلى شيئين اثنين أول
شي نفهم ما هو المال الحديث من بعد عام 1973 إلى الآن، ما هي الأوراق البنكوت؟ ما هي الأوراق المالية التي تسمى النقدية؟".
وقال
حسين شبكشي لـ"العربية.نت" إنه أراد التركيز على هذه القضية من خلال طرحها
في برنامجه "التقرير"، ويرى أنه هناك قصور في "الاجتهاد الاقتصادي"، وأنه
حان الوقت أن يتطور هذا الفقه وأن لا يكتفي بالأمور التقليدية.
ولفت الدكتور سالم
إلى أنه ذكر العام 1973 تحديدا، لأن الحلفاء عندما خرجوا من الحرب منتصرين
وقعت معاهدة "بريتن وود" في شمال أميركا عام 1944، وقررت بأن تربط جميع
الدول عمولاتها بالدولار على أن تضمن أمريكا بتقديم
أونصة من الذهب لكل 35 دولارا. ومضى سالم للقول إن الملاحظ بناء على "غطاء
الذهب" هذا، ثبات القيمة لأن الذهب محدود. لكن في عام 1973 تم إيقاف
التعامل بغطاء الذهب.
ففي عام 1968 -
والكلام لسالم - قامت الولايات المتحدة بطبع الدولارات واكتشفت البنوك
المركزية في العالم أنه لا يوجد غطاء ذهبي لحجم الأموال المتداولة في
العالم.
منذ 1973، وبعد خطاب الرئيس نيكسون بنقض المعاهدة، وقبول
السندات مقابل الدولار، أصبحت الأوراق المالية المتداولة في العالم بلا
غطاء من ذهب.
وانتقل سالم إلى طرق لب
الموضوع بتأكيده "أنا أقرر بأن الأموال هذه ليست ربوية وعليها نقول
الفائدة غير ربوية". وأضاف "علماء في المذاهب الأربعة ضمنهم شيخ الإسلام
ابن تيمية، الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ السعدي، لهم رأي لا يعرفه أحد
من الناس عن هذه الأموال ولم تظهر، فالمذاهب الثلاثة الحنابلة لهم قول فيه
والمالكية والشافعية يرون هذه الأموال لأنه كانت في الأموية والعباسية
يصدرون نقودا".
وعرف سالم نقود ذلك الزمان
بأنها كانت نيكل وحديد وكذا، فـ"يقولون هذه فلوس تسمى فلوس فيجوز فيها
التفاضل والنسأ" وقد "بقي علينا من قال العلة فيها الثمنية، من قال العلة
فيها الثمنية وهنا توقفت، العلة الثمنية".

رأي هيئة كبار العلماء
ويعرف سالم العلة الثمينة بأنها علة الذهب والفضة لأن الحنابلة مثلاً قالوا إن
علة الذهب والفضة هي الوزن. ويقول العبيكان "بالنسبة للذهب والفضة فلا
خلاف في أنه العلة موجودة والربا يجري فيهما، لما قال النبي - صلى الله
عليه وسلم- الذهب بالذهب والفضة بالفضة.. إلخ، ربا إلى.
ويعني
يداً بيد، اختلف الفقهاء الأربعة وغيرهم في العلة التي من أجلها جعل النبي
- صلى الله عليه وسلم- الربا يجري في الذهب والفضة، فبعضهم قال الوزن
فأدخل في هذا كل شيء موزون من الحديد والنحاس إلى آخره، قالوا هذا
يعتبر يعني داخل في الحديث ويعتبر يجري فيه الربا لكن هذا فيه صعوبة، لكن
المحققين قالوا العلة الثمنية أي أن هذا الذهب والفضة هو ثمن".
وأكد
العبيكان أن الاختلاف لم يقم في مبدأ جريان الربا على الذهب والفضة، وإنما
في ماهية العلة التي من أجلها جرى الربا. ولفت إلى أن "العلة ثمنية وهو أن
الذهب والفضة كانوا يتعاملون بهما فيجعلون الذهب والفضة ثمناً للسلع التي
يشترونها، إذاً فلما جاءت هذه النقود الورقية والفلوس قديماً مع وجود
الذهب تكلم الفقهاء، فمثلاً بعض الفقهاء يرى أن الفلوس لا يجري فيها
الربا، يعتبرها مثل العروض وهذا على سبيل المثال ذكر صاحب الروضة المربع
أن الفلوس لا يجري فيها الربا، هناك مثل الشيخ عبد الرحمن الشيخ عبد
الرحمن بن سعدي رحمة الله له في كتاب المناظرات تكلم عن هذا الموضوع وأسهب، وكان يرى أن هذه النقود لا تعتبر من الأثمان التي يجري فيها الربا".
وأوضح أن هيئة كبار العلماء في السعودية رأت أن هذه الأوراق ليست مغطاة، فإذا هي ليست أوراق للذهب والفضة إنما هي نقد قائم بذاته وإذا
كانت هيئة كبار العلماء - يقول العبيكان - لما أصدرت الفتوى قالت هذه
النقود قائمة بذاتها فهي تقوم مقام الذهب والفضة، فإن الربا يجري عليها.
ورد
الدكتور حمزة سالم على النقاط التي أثارها العبيكان بقوله إن هذه الورقة
هي وعد في ذمة الدولة المصدرة ليكون مقابلها السلع والخدمات. ويضيف: هذا
الوعد قد تفي به الدولة، وقد لا تستطيع الوفاء به، كما سقط في غزو الكويت
حيث فقد الدينار قيمته، وكما حدث أيضا في الحرب الأهلية اللبنانية. وانتقل
للسؤال "ما هي هذه الأوراق؟ هل هي سلعة؟ هل هي وعد؟".

الصحافة السعودية تدخل النقاش
ويبدو أن
ما أثاره الزميل شبكشي وضيوفه في الحلقة، أخذت دوائر النقاش حوله في
الاتساع عبر الصحف والمجالس والمنتديات، حيث كتب علي سعد الموسى في صحيفة
"الوطن" السعودية عن الحلقة واصفا إياها بالإثارة والاختلاف.
وأشار
الموسى إلى ذهوله جراء ذكر المتحاورين أن ثلاثة من أرباب المذاهب السنية
الأربعة - مالك وأحمد والشافعي - رضوان الله عليهم, لا يرون مدخلاً -
للفائدة - في التعاملات النقدية الورقية فلا ينطبق عليها ما ينطبق على
الذهب والفضة.
وكتب الموسى "زاد الاثنان أن
للشيخ ناصر بن سعدي رأياً موافقاً في بحثه الطويل المسهب حول الفوائد
الربوية في تجارة العروض, الأستاذ الاقتصادي الأكاديمي يذهب إلى ما ذهب
إليه الأئمة الثلاثة ومعهم الشيخ ابن سعدي, على حين يرى الشيخ - الضيف -
أن العملية محسومة في أن النقد له فوائده الربوية حتى لو خالف رأيه الآراء الكبرى السابقة".
ويتوجه الموسى بأسئلة "لماذا تغيب أو تغيَّب
- بضم التاء وتشديد الياء - كثير من المسائل الجوهرية في حياتنا وفي فقهنا
وقد أفتى فيها الأئمة وأدلوا برأيهم واضحاً لا لبس فيه؟ لماذا نحجب آراء
الأئمة وكبار العلماء فتقفز صفحات كاملة, بل مجلدات كاملة وكأنها لم ترد
في ذات الوقت الذي لم نترك من أثرهم وفتاويهم في صغائر الأمور شيئاً إلا
ومررنا عليه؟ لماذا نحن مع تراثنا الفقهي في حالة انتقاء؟ نختار منه ما
يناسب مقاسات المرحلة ونترك منه أيضاً ما قد يتعارض وأبجديات الخطاب
السائد".