الحكم الشرعي في بعض عمليات البورصة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه بتكليف من المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث تضمنته رسالة فضيلة الأمين العام للمجلس أقدم هذا البحث عن الحكم الشرعي في بعض عمليات البورصة ويشتمل هذا البحث على:

·  تعريف مختصر للبورصة.

·  أهم المعاملات التي تدور فيها.

·  عرض للقرارات الصادرة عن المجامع الفقهية حول قضية البورصة.

·  ثم تعليقنا على بعض هذه القرارات يمثل رأينا الخاص.

·  الخلاصة.

تعريف موجز للبورصة:

اسم البورصة مختلف في أصله التاريخي والظاهر أنها مشتقة من اسم تاجر بلجيكي من القرن 14 كان يقوم بالسمسرة أو من كيس النقود وهو بالفرنسية bourse وكذلك تقريباً باللغات الغربية.

إلا أن الذي ينبغي أن تعرفه هو مضمون هذا المصطلح فالبورصة هي سوق مالية ذات طبيعة خاصة فهي كالسوق في أن كلا منها بحل بيع وشراء واخذ وعطاء إلا أن البورصة تتميز عن السوق بكونها سوقاً منظمة تحكمها لوائح وقوانين وأعراف وتقاليد.

أهم وظائفها:

خلق سوق مستمرة لأدوات الاستثمار المتاحة بحيث يكون بوسع المستثمر في أي وقت تسييل أصوله المالية أو جزء منها بسرعة وسهولة وبأفضل سعر ممكن وبأدنى تكلفة ممكنة وتتحقق السوق من خلال وجود عدد كبير من البائعين والمشترين.

ويمكن أن نفرق بين نوعين من الاسواق سوق الأصدارات الجديدة أو السوق الأولية: وهي سوق تطرح فيها الشركات في طور التأسيس أسهمها للاكتتاب العام لأول مرة قد تكون شركة عقارية أو تجارية.أو شركات قائمة بالفعل تصدر سندات لزيادة رأسمالها.

كيفية التعامل في هذه السوق:

يكون التعامل فيها باحدى الطريقتين:

التعامل المباشر ويتم بالاتصال المباشر بين مصدر السندات والراغبين في الاشتراء ويقوم على العلاقة الشخصية.

التعامل الغير مباشر ويعتمد على استخدام الوسطاء الذين يقومون بدورهم بتولى مسئولية الاصدار وتغطية الاكتتاب وتحمل مخاطر تقلب الاسعار فإذا قررت الشركة طرح أسهمها للأكتتاب العام تتفاوض مع بنك لضمان تغطية الاصدار وقد يكون ذلك على شكل شراء الاوراق المصدرة من الشركة من طرف البنك لاعادة بيعها إلى الجمهور بسعر أعلى وهناك نشرة اكتتاب تتضمن كل المعلومات.

أما السوق الثانوية ( سوق التداول ) الاوراق التي سبق إصدارها في السوق الأولية كيف يجري تداولها والمناقلة فيها؟

الاجابة على هذا السؤال هو تكوين السوق الثانوية فهذ السوق يبيع فيها أصحاب الحقوق في الشركات المساهمة التي قد تكون أصولاً لا تسهل تصفيتها لحساب احد المستثمرين دون حاجة إلى المساس بأصل الثروة ودون مساس بحقوق الاخرين الذين قد لا يريدون بيع سهامهم.

وهذه السوق تسهل على المستثمر- بدل من أن يبحث عمن يشتري سهامه بصفة مباشرة وقد لا يجد – أن يدخل مباشرة إلى الجمهور عن طريق سوق الاوراق المالية التي يتم فيها التعامل عن طريق المزايدة حيث تعرض الايجاب من طرق الباعة والقبول من طرف المشترين في المنافسة للوصول إلى أفضل الاسعار المقبولة من جميع الاطراف.

ويتم تداول الاوراق في قاعة السوق عن طريق المزايدة المكتوبة وذلك بعرض جميع أوامر البيع والشراء على اللوحة المعدة لهذا الغرض طبقاً للقواعد والاجرآت المنصوص عليها في اللائحة التي تحكم التداول في البورصة.

يقصد بمكان السوق ردهة البورصة التي يتم عليها تداول الاوراق المالية علنا عن طريق وسطاء مرخص لهم يقومون بتنفيذ أوامر عملائهم في البيع والشراء.

وهذا يقتضي وجود قاعدة معلوماتية عن الشركات التي تعرض أصولها وأسهمها للبيع حتى يكون المشتري على بينة من أمره فعليه أن يعرف العائد المطلوب تحقيقه،العائد الخالي من المخاطر،العائد الموزع في نهاية أخر السنة المالية متوسط معدل نمو الارباح خلال السنوات الخمس الماضية.

ولكن للسوق حركتها التي تؤدي إلى رفع الاسعار وخفضها في مهب ريح المضاربات.

ولهذا نشأت جهات متخصصة كمؤشر دواجنز الذي يختار عدداً من الشركات ويقوم بوضع نظرية حركة متوسط اسعار هذه الشركات طبقاً لمعايير خاصة لا يستطيع المستثمر أن يوفرها لنفسه إلا عن طريق هذه الجهات المتخصصة تخصصاً دقيقاً وبالتالي فإن هذه الجهات توفر أساساً للخيارات والبدائل للمستثمرين وقد أسس داوجنز مؤشراً للشركات الاسلامية قبل سنة وسماه " مؤشر داوجنز الاسلامي" واختار فيه مجموعة من الشركات العالمية من انحاء العالم وليس من الشرط أن تكون هذه الشركات مملوكة للمسلمين ولا معلنة تقيدها بالشريعة الإسلامية ولكن يشترط أن يكون تعاملها موافقاً للشريعة الاسلامية حسب المعايير التي وضعها وهي أن لا يكون نشاطها حراماً فهي لا تتعاطى الصريفة الربوية ولا تبيع الخمر ولا الخنزير وأن لا يزيد تعاملها " العارض" مع جهات الاقراض الربوية على 5 % وأن لا تزيد ديونها أو التي عليها على حد معين ومنها شركات أمريكية ويابانية. وهكذا وفر داوجنز هذه القاعدة المعلوماتية لمن يريد أن يتعامل في أسهم هذه الشركات.

سنعرض هنا بعض أهم المعاملات التي تجري في البورصة لتكون مقدمة لفهم أليات الاسواق المالية على أن يكون حكمنا عليها من خلال تعليقنا على قرارات المجمعين الفقهيين.

أولاُ: عقود على الاسهم:

سواء في طور التأسيس في السوق الاولى أو عند تسبيل بعض المساهمين لحصصهم في السوق الثانية( سوق التداول) والظاهر أن ذلك لا يطرح معضلة في الشرع فاشتراء هذه الاسهم جائز باعتبار هذه الاسهم تمثل جزءاً شائعاً من رأسمال الشركة – التي تكون صناعية تجارية أو زراعية – الذي قد يكون عروضاً وسلعاً وعقارات كما تكون نقوداً وفي هذه الحالة يشترط فيها ما يشترط في بيع النقود بعضها ببعض إذا كان مشترياً الاسهم أما إذا كان مؤسساً أو داخلاً في حال اكتتاب لزيادة رأس المال فان الامر لا يكون كذلك والجواز فيها فرع عن جواز انشاء شركة المساهمة وإذا كان الأصل في العقود والمعاملات الجواز إلا ما نص الشارع على تحريمه فان شركة المساهمة وان كانت غير منضبطة بالضوابط التي اعتمدها أكثر الفقهاء في العقود والشركات فتدخل تحت هذا الأصل ولعل ابن تيمية قد نبه على أهمية التحرر من الصيغ وعزا إلى الامام أحمد أن هذا الاصل في العادات العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله ورسوله وإلا دخلنا في قوله تعالى:" قل ارأيتم ما انزل الله لكم من رزق" واضاف وأما السنة والاجماع فمن تتبع ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من صيغ أنواع المبايعات والمؤاجرات والتبرعات علم بالضرورة انهم لم يكونوا يلتزمون الصيغة من الطرفين والآثار بذلك كثيرة. الفتاوى

فمن يشتري السهم يشتري جزءاً مشاعاً من الشركة.

قلت وهو جائز ولهذا أجاز الامام احمد بعض الشركات التي لاتدخل في حد أي من الشركات التي أجازها الآخرون.

وق أفتى شيخ الازهر محمد شلتوت بجواز الاسهام في هذه الشركات وكذلك شيخ الازهر حسن مامون.

والذي يؤخذ على هذه الشركات هو مسؤلية الشريك لا تتجاوز مقدار حصته من رأس المال وبالتالي فلو فلست الشركة ماكان على الشركاء أي تبعة في أموالهم الخاصة.

ويؤخذ عليها ما يدعى من الغرر في أن الذي يشتري السهم لا يدري حقيقة ما يشري ولم يعتبر مجمع الفقه الاسلامي بجدة في قراره الذي سيذكر لاحقاً ما أشرنا إليه سبباً للتحريم فأجاز شركات المساهمة ذات المسؤلية المحدودة ومع تحفظي على عدم مسؤلية الشريك خارج مال الشركة فإن قرار المجمع يمكن أن يكون أساساً مقبولاً فتكون شركة المساهمة جائزة إلا إذا كانت غايتها محرمة أو تعاملت بالحرام أخذا وعطاء فحينئذ يحرم الاشتراك فيها واشتراء أسهمها في السوق الاولى والسوق الثانية.

والعقود على هذه الاسهم هم من البيوع التي يجري تنفيذها في أسواق الاوراق المالية على أصول مالية تتحدد أسعارها من خلال العرض والطلب عند أعلى سعر يعرضه المشترون وأدنى سعر يقبله البائعون.

وهي من نوع بيوع المزايدة لان البيع أنواع منه مساومة ومرابحة ومزايدة وقد أجمع الجمهور على جواز بيع المزايدة كما يقول ابن رشد الحفيد.

ثانياً عقود الخيارات:

ومن المعلوم أن الخيار التعاقدي عند الفقهاء هو:( بيع وقف بته أولاً على امضاء يتوقع) على حد تعريف ابن عرفة المالكي.

وانما قولنا التعاقدي احترازاً من خيار المجلس وخيار النقيصة لأن هذه لم يتعاقد عليها الطرفان، والخيار أنما يكون في اشتراء سلعة مالية، اما هذا الخيار فهو أن يكون لأحد المتعاقدين الحق في فسخ العقد في موعد التصفية، أو قبل حلوله، أو تنفيذ العقد إذا جاءت تقلبات الاسعار في صالحه. وذلك في مقابل مبلغ يدفع مقدماً، ولا يرد للمضارب،يعرف بالتعويض ويعطي هذا الحق المشتري فيكون له الخيار بين استلام الصكوك ودفع الثمن المتفق عليه أو فسخ الصفقة مقابل تعويض.

هل هذا التعويض يدخل في بيع العربون الذي قال به عمر وابنه وابن سيرين وذهب إليه احمد.

وهناك خيار الشراء بسعر كذا أو البيع بسعر كذا دون تحديد من البائع والمشتري.

وبتدقيق النظر في هذا النوع نرى أنه من باب تعليق اللزوم وقد نص المالكية على تعليق لزوم البيع على الاتيان بالثمن (كابيعك بشرط الا ينعقد البيع إلا بدفع الثمن وهذه جائزة معمول بها كما لأبي الحسن على المدونة ) الزرقاني ج5ص5 وتسمى تعليق لزوم لأن البيع قائم.

ثالثاً: عقود المستقبليات

وهي شبيهة بالسلم. والسلم مشروع بعموم الكتاب ونصوص السنة وإجماع الامة. أما عموم القرآن فهو قوله تعالى (وأحل الله البيع) والسلم بيع، واما السنة فالحديث المتفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلىالله عليه وسلم قدم المدينة وهو يسلفون في التمر العام والعامين فقال:"من أسلف فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم".

إلا أن سلم البورصات الذي يسمى بالمستقبليات أو البيوع الآجلة أنواع منوعة وألوان متلونة، فمنها ما يكون على سلع وهي معاملات تتحكم فيها قوانين البورصة وأعرافها. ومن أهمها أن يبيع الانسان سلعة من شخص إلى أجل يتم فيها التسليم والبائع لا يملك السلعة إلا أنه يمكنه الحصول عليها عند الاجل المحدد.

إلا أن المشتري لا يدفع الثمن الآن بل انه سيدفعه فقط عند تسليم السلعة أو التصفية وتمكن الزيادة في الاجل مقابل ثمن.

وهذا العقد في أصله سلم إذ أن السلم هم بيع سلعة موصوفة في الذمة في مقابل ثمن عاجل من غير جنسها).

وقد اختلفت عبارات العلماء في تعريف السلم طبقاً لاختلافهم في بعض صور السلم وصيغه فقد عبر أكثرهم بأن الثمن يدفع في المجلس بينما عبر البعض بأنه يدفع عاجلاً. ولعل أهم عقدة في هذا العقد هي أن الثمن فيه مؤجل وهذا يخالف رآي جمهور العلماء ولكن... هذه العقدة جعلت كافة الكتاب الإسلاميين المعاصرين في الاوراق المالية يجزمون بأن هذه المعاملة ممنوعة شرعاً وطبقاً لذلك ضربوا صفحاً عن هذه المعاملة وجاءت قرارات المجامع الفقهية لتسير في هذا الاتجاه وتصب في هذا المجرى وقد يكون من المناسب أن ننقل هنا إلى اخواننا في المجلس الاوروبي نص هذه القرارات.

وهي قرارات صادرة عن مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي وأخرى صادرة عن محمع الفقه الاسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.

وغنى عن القول أن هذين المجمعين الدوليين يضمان خيرة علماء العالم الإسلامي من كل المذاهب والاتجاهات.

وبعد عرض هذه القرارات بنصها سأعلق عليها بما يسر لي ربي، ليكون موضوع بحث الزملاء الكرام وأكتفي بمحل الاتفاق في القرارات باعتباره يمثل رأيي وأعلق على محل الاختلاف معها.

 

الصفحة 321


| عودة لصفحة البحوث |