آليات التمويل المصرفي الإسلامي وضرورة تطويرها عن صحيفة الوفاق الالكترونية - القاهرة : أظهرت الممارسات العملية للبنوك الإسلامية كما تدل الدراسات والأبحاث التي اهتمت بها، سواء من المدافعين أو العارضين لها أن هذه البنوك تمكنت من اختراق أسوار النشاط المصرفي التقليدي، واستطاعت بآلياتها وأدواتها المستحدثة أن تدخل في دائرة هذا النشاط فئات من المدخرين وأصحاب المشروعات لم يكن لها نصيب فيه قبل ذلك، وهذه هي أولا فئة المدخرين الذين كانوا يرفضون التعامل بالفوائد، ولا يجدون مبررات لفتح حسابات بالبنوك التقليدية لذلك، خاصة إذا كانت مدخراتهم هذه متوسطة الحجم أو صغيرة.. لقد شجع قيام البنوك الإسلامية هذه الفئة التي لم تكن البنوك التقليدية تظن أن لها أهمية أو توليها اهتمامًا. ولا يستطيع أحد أن يماري في هذه الحقيقة أمام النمو المتزايد في الموارد المالية التي تتلقاها البنوك الإسلامية من هذه الفئة. من جهة أخرى أتاحت البنوك الإسلامية تمويلا لم يكن متاحا من قبل لأصحاب المشروعات الصغيرة والقزمية والذين كانوا دائما (وفي كل العالم) يعتمدون على مدخراتهم الخاصة والعائلية، ومدخرات الأقارب والجيران، فإذا تعرضوا لمشكلة تمويلية اضطروا إلى سوق الائتمان غير الرسمي أو سوق الربا الفاحش والذي تصفه الدراسات المتخصصة أنه مدار من قبل حيتان القروض؛ حيث ترتفع أسعار الفائدة فيه أحيانا إلى 1000% في السنة أو أكثر في بعض الحالات، ولا يستطيع أحد أن يماري في هذه الحقيقية حتى إن ادعى بأن البنوك الإسلامية ليست بعدُ على المستوى والكفاءة المطلوبة، ولعل أبرز وأنجح التجارب في التمويل الصغير هي تجربة بنك فيصل فرع أم درمان، وبنك الجيرمين برغم أن هناك تجارب عديدة ناجحة في إندونيسيا وبنجلاديش وماليزيا ومصر والأردن. إلا أن هناك طريقا ما يزال على البنوك الإسلامية أن تقطعه في سبيل إتمام أهدافها على النحو الذي يراه المنظرون لها، ونجاح هذه البنوك في خدمة التنمية لن يتحقق إلا بشروط ثلاثة: بتطوير مستمر لآلياتها وأدواتها التمويلية بما يزيل عنها أي لبس من حيث هويتها الإسلامية وارتفاع كفاءتها من جهة تعبئة واستخدام مواردها التمويلية بما ينعكس على مستويات ومعدلات أرباحها المحققة وزيادة إسهامها في عملية التنمية ببعديها الاقتصادي والبشري. ونتناول فيما يلي أهم الأدوات التمويلية التي اعتمدت عليها البنوك الإسلامية وكيفية تطويرها حتى يمكن لها خدمة أهداف التنمية بشكل أكبر، كما نشير أيضا إلى بعض أدوات التمويل الإسلامي التي ظلت إلى الآن مهملة رغم ما يمكن أن تقوم به من دور هائل في عمليات التنمية، وذلك على سبيل المثال وليس الحصر: 1 - المرابحة: اعتمدت البنوك الإسلامية على صيغة المرابحة للآمر بالشراء في معظم تمويلها لأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة منذ قيامها إلى الآن، وقد انتقدت هذه الصيغة من حيث إنها تبدو من خلال تطبيقها أشبه بالتمويل القائم على الفائدة، ولا نستطيع أن نقول إن بيع المرابحة للآمر بالشراء يتساوى مع الإقراض بفائدة؛ لأن آلية العملية المصرفية مختلفة؛ فالبنك يقوم بتمويل شراء سلعة يشتريها العميل، وبالرغم من أنه يضيف هامشا من الربح على قيمة السلعة فإن هذا ما يزال مختلفا عن الفائدة؛ حيث من اللازم أن يحدد بالتفاوض مع العميل ضمن عقد البيع، كما لا تجري مضاعفاته بأي حال إذا تأخر العميل عن سداد دينه في وقته، على خلاف ما يجري في التمويل بالفوائد التي تتضاعف مع كل تأخير في سدادها. لكننا لا نستطيع أيضا أن ندافع عن الممارسات الخاطئة في التطبيق، ولا نستطيع أن نتصور أيضا أن الممارسات الخاطئة كانت عشوائية محضة أو بسبب جهل الأجهزة الإدارية فقط، هناك فجوة نظرية في هذه الصيغة المستحدثة التي اشتقت من "المرابحة" التي هي أصلا من أنواع البيع الحاضر الذي يعتمد على الأمانة، والتي وضع لها الفقهاء منذ قرون شروطًا لا تجعل أي شك يتسرب إلى صحتها. ومن الجهة العملية الخاصة بالتنمية نجد أن هذه الصيغة بالرغم مما عليها من مآخذ قد خدمت آلافًا من أصحاب المشروعات الصغرى والصغيرة الذين استطاعوا عن طريقها الحصول على تمويل يرتبط بنشاطهم الإنتاجي مباشرة، وبشروط هي أفضل مئات المرات، بل لا تقارن بشروط التمويل في سوق الائتمان غير الرسمي.. وهؤلاء الذين أشرنا إليهم من قبل، والذين لم يتمكنوا -كما تسرد تقارير رسمية- من الحصول على أكثر من 1% من احتياجاتهم التمويلية من البنوك التقليدية فيما عدا حالات استثنائية جدا كالهند مثلا التي تولي حكومتها اهتماما فائقا بالمشروعات الصغيرة والصغرى، وقد يقول البعض: إن البنوك التقليدية قد دخلت مؤخرا ميدان التمويل الصغير، ولكن دعنا نسأل: وما هو تعريف المشروعات الصغيرة لدى البنوك؟ وسوف نكتشف أن ما تصنفه البنوك التقليدية على أنه مشروعات صغيرة تعتبر كبيرة أو ضخمة بالنسبة لتلك المشروعات التي تتعامل معها البنوك الإسلامية. لا نريد أن ندافع مهما كان عن صيغة سمحت بأخطاء في التطبيق أو بصيغة سمحت للمهاجمين للبنوك الإسلامية أن يقولوا: إنها إسلاربوية أو إنها تخفي صيغة الفائدة وراء شعار المشاركة لتتلقى مدخرات المسلمين الذين يخافون عذاب الآخرة، والرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه ينصحنا بأن ندع ما يريب إلا ما لا يريب، وأن نتقي الشبهات "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" كما في الصحيح. ولأجل تصحيح المسار لا بد أن نتبين أمرين: "أولهما من الناحية الفقهية، والثاني من الناحية التطبيقية. أما الأول فترتب على خلط بيع المرابحة وهو أصلا بيع حاضر بالبيع الآجل في صيغة مرابحة للآمر بالشراء، علما بأن الأخير له شروطه الدقيقة وإلا اختلط بالربا. أما الأمر الثاني المرتبط بالتطبيق فقد ترتب على قيام البنك الإسلامي إما بتوكيل العميل بشراء السلعة الممولة بالمرابحة بنفسه (وكان هذا من الأخطاء الجسيمة التي حدثت في بداية التجربة، أو تكليف إدارة المشتريات بجلب السلعة مع وضع شروط تفسد عقد البيع من الجهة الشرعية. كل هذا لا بد أن ينتهي مع الحفاظ على جوهر صيغة المرابحة التي ساعدت كثيرا في تمويل صغار المشروعات، ومن ثم أسهمت في تنمية قطاع مهم في الاقتصاد. والذي نقترحه هنا هو أن يتخلى البنك الإسلامي عن القيام بعمليات الشراء للسلع المطلوب تمويلها بصيغة المرابحة، ووضع هذه السلع في مخازنه ثم تسليمها للعميل. لكن الإجراءات الحالية تقضي بأن يكتب العميل عقدا مسبقا يلتزم فيه بالشراء، وبدلا من ذلك نرى أن يتفق البنك مع عدد من الشركات التجارية الكبرى التي تعمل في مجال تسويق منتجات متخصصة أو متنوعة (سواء داخل البلد أو خارجه) على أن يقوم بتحويل طلبات عملائه الراغبين في الشراء بالمرابحة إليها. فحينما يطلب أحد العملاء شراء سلعة معينة بالمرابحة ترشده الإدارة المختصة في البنك إلى المعروضات أو القوائم السلعية والمواصفات والأسعار لدى الشركات التجارية التي جرى معها الاتفاق، ويلاحظ أن بيع المرابحة سوف يصبح متاحا للعملاء فقط في إطار القوائم السلعية التي تعرضها هذه الشركات؛ فإن وجد العميل طلبه لدى شركة معينة فإنه يطلب من البنك شراءها لصالحه، ولا يعتبر البيع نهائيا مع ذلك حتى يتسلمها ويتأكد من موافقتها للمواصفات، وهذا على خلاف ما هو قائم الآن فيما يطلق عليه إجراءات التعاقد الملزم بالشراء مع العميل مقدما. ومن المتوقع عند قيام البنك بالاتفاق مع بعض الشركات التجارية على النحو المذكور أن يحصل على مزايا خاصة من جهة السعر، وهذا أمر متوقع، خاصة في مناخ المنافسة السائدة بين الشركات التجارية الكبرى التي تعمل على تسويق وتوزيع سلع متنوعة ومتخصصة على مستوى العالم، كما يمكن طبعا أن يشترط البنك أسعارا خاصة من هذه الشركات مقابل قيامه بدور في ترويج بضائعها، وحيث إن المرابحة من بيوع "الأمانة" فإن العميل سوف يطلع على السعر الخاص الذي تبيع به الشركة للبنك، وهو منخفض عن سعرها في السوق، ويجري الاتفاق بين العميل والبنك على الربح الذي يشترطه الأخير على سعره، وهكذا يتاح للبنك أن يحقق لنفسه ربحًا مناسبا من العملية، بينما يحصل العميل على السلعة بعلاوة مقبولة وصغيرة فوق السعر الجاري في السوق، وليس كما هو الحال الآن في الممارسات التي تقترب فيها علاوة السعرMark UP - أو هامش الربحPROFIT MARGIN - في عمليات المرابحة إلى ما يقرب من سعر الفائدة السائد في البنوك التقليدية مما يثير الشبهات. ويلاحظ أنه كلما صار البنك أكثر نجاحا في الحصول على أسعار مميزة من خلال عمليات الوساطة استطاع خفض الفرق بين سعر المرابحة الآجلة وسعر السوق، وربما تصاغر هذا الفرق إلى الصفر أحيانا، ويجري بعد قيام إدارة المرابحة في البنك بطلب السلعة من الشركة وتحديد وقت ومكان تسليمها إلى العميل. فإذا تلقى العميل السلعة ووجد مواصفاتها وحالتها موافقة لطلبه تسلمها وتم البيع نهائيا، فإذا لم يجد ذلك ردت إلى الشركة الأصلية دون أي إزعاج للبنك، وتلقى بديلا لها وهذا مما تتيحه التسهيلات التجارية الحديثة، وهو ما لا يستطيع البنك القيام به إذا أخذ على نفسه مهمة شراء سلع من شركات ليس بينه وبينها اتفاق وقام بخزن هذه السلع في مخازنه. 2 - الإجارة المنتهية بالتمليك والمشاركة المتناقصة: يأتي بعد عمليات المرابحة في الأهمية من حيث توظيف الموارد المالية عمليات الإجارة والمشاركة المتناقصة، ولهما أيضا دور في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي أصبحت محل اهتمام عالمي لدورها المتوقع في التنمية بشقيها الاقتصادي والبشري. قد يكون المشروع صغيرا أو متوسطا عاملا في إصلاح أرض للزراعة أو مشتغلا بإنتاج لحوم الحيوان أو الدواجن أو قائما على مزرعة للأسماك أو مشتغلا في عمليات نقل أو صناعة منظفات كيماوية أو قطع سيارات... إلخ هذه هي حالات من كثير من تلك التي ترد على البنوك الإسلامية في عدد من البلدان الإسلامية في آسيا وأفريقيا وفي الوطن العربي. وفي حالة المشروعات الكبيرة أو المتوسطة المائلة للحجم الكبير يجد أصحابها أن من الأفضل لهم إعداد رؤوس الأموال اللازمة لمشروعاتهم الإنتاجية عن طريق البنوك أو طرح أوراق مالية (أسهم وسندات) في السوق، كما أن هؤلاء في حالة نجاحهم كما تقرر الدراسات التطبيقية يتجهون إلى تمويل التوسع في الحجم عن طريق إعادة استثمار الأرباح مع بعض القروض التي يحصلون عليها عادة بشروط ميسرة نسبيا من البنوك كلما زادت مقدرتهم على التمويل الذاتي. أما في حالة المشروعات الصغيرة أو المتوسطة المائلة للصغر فإن الحصول على تمويل كاف لرأس المال الثابت يمثل مشكلة عند نشأتها أو عند شروعها في زيادة حجم أعمالها فهذه المشروعات لا تستطيع الالتجاء إلى أسواق الأوراق المالية مثل المشروعات الكبيرة، كما لا تستطيع أن تأخذ حاجاتها التمويلية بالكامل من الجهاز المصرفي التقليدي بالإضافة إلى أن ما تأخذه من هذا يتم بشروط مشددة، لذلك فإن هذه المشروعات إما عاجزة عن تمويل رأسمالها الثابت بالكامل أو واقعة في شباك مديونية للجهاز المصرفي قد لا تستطيع الوفاء بها، خاصة إذا كانت فترة تفريخ الاستثمار طويلة نسبيا أو إذا تصادف وتغيرت الأسواق من حالة رواج إلى كساد، ومن هنا نستطيع تقدير أهمية عمليات التأجير أو عمليات المشاركة المتناقصة التي تقوم بها البنوك الإسلامية. ويؤخذ على عمليات الإجارة التي تقوم بها البنوك الإسلامية والمسماة بالإجارة المنتهية بالتمليك أنها تتشابه كثيرا مع عمليات البيع أو الشراء التأجيري Hire Purchase التي تقوم بها الشركات في كل العالم بتنسيق مع البنوك وبيوت التمويل وشركات التأمين على أساس نظام الفائدة، ومن جهة أخرى يؤخذ على عقد الإجارة المنتهية بالتمليك من الجهة الشرعية خلطه بين شروط الإجارة وحقوق التملك. ونقترح هنا أن يتم توسع البنوك الإسلامية في نشاط الإجارة، ولكن اعتمادا على أساليب جديدة يمكن التأكد من جوازها شرعا وكفاءتها اقتصاديا، مع ملاءمتها للواقع العملي. والمقترح هذا هو قيام البنك بتكوين شركات متخصصة لممارسة نشاط الإجارة، بمعنى أن تكون شركات مالكة لأراض زراعية أو عقارات سكنية أو محلات تجارية ومكاتب للأعمال أو مخازن أو شركات مالكة لمعدات وآلات (مثال جرارات زراعية أو معدات حفر آبار أو معدات وتجهيزات للرفع والنقل ... إلخ) ويلاحظ أن اقتراح تكوين هذه الشركات إنما يأتي أساسا لعدم مناسبة احتفاظ البنك أو قيامه بالاستثمار بشكل مباشر في عقارات أو أراض أو آلات ومعدات... إلخ. إلا في حدود نسبة صغيرة ومحدودة من موارده التمويلية المتاحة، وذلك لطبيعته كمؤسسة مصرفية، هذا بالإضافة إلى أن هذه الشركات سوف تتمكن من التوسع بمرونة كافية في عمليات الإجارة، كلما كانت هذه مربحة، وذلك على العكس من وضع البنك إذا ما قام بممارسة هذا النشاط مباشرة، ويقترح أن يقوم البنك بطرح صكوك إجارة وذلك لتمويل الشركات المزمع إنشاؤها، على أن يكون للبنك حصة في هذه الصكوك في حدود ما تسمح به اللوائح أو القوانين المنظمة للأعمال المصرفية عموما، وتتميز عمليات الإجارة كما هو معروف بأنها تدر دخلا دوريا منتظما، وعلى درجة عالية من الضمان، ولذلك فإنه من الممكن للبنك أن يجتذب من خلال بيع صكوك الإجارة جمهور العملاء الذين يريدون دخلا دوريا منتظما وشبه مضمون، وهو دخل حلال لا شك في ذلك، ويلاحظ أن اختيار مجالات الإجارة الأكثر تميزا من حيث معدلات العائد يحتاج إلى دراسات جدوى تسبق تكوين الشركات، وأنه كلما تم هذا الاختيار بدقة وكلما أديرت شركات الإجارة بكفاءة (وهو أمر يمكن للبنك المشاركة فيه اعتمادا على حصته في الملكية، وتوكيل العملاء أصحاب الصكوك له) أمكن تحقيق نجاح أكبر. وثمة تطوير آخر ضروري ينبغي لعمليات المشاركة المتناقصة، وهذه وإن اختلفت في مضمونها مع عمليات الإجارة، فإنها تتشابه كثيرا معها من جهة الممارسات العملية للبنوك الإسلامية. والحقيقة أن هذه العمليات يمكن أن تُسهم كثيرا في تنمية مشروعات متوسطة وكبيرة أيضا إذا ما تم إعادة تنظيمها على أسس أكثر واقعية، وفي إطار مبادئ التمويل الإسلامي. والتطوير المقترح هنا هو قيام البنك الإسلامي بتنفيذ المشاركة المتناقصة عن طريق المساهمات فيقدم البنك بعد دراسة مشروع مقدم إليه، وفي إطار الالتزام بالشروط الإسلامية الخاصة بالإنتاج والمعاملات... إلخ، بتقسيم رأس ماله المطلوب إلى أسهم يقوم أصحاب المشروع بشراء نسبة لا تقل عن 20%، ويسهم البنك بنسبة صغيرة (قد تتراوح بين 2% و5% مثلا وذلك لأغراض السيولة الخاصة بالبنك)، ويعرض الباقي من الأسهم للبيع لعملائه أصحاب الحسابات الاستثمارية ويكون إصدار هذه الأسهم على أساس شروط المشاركة المتناقصة بما يعني أن أصحاب المشروع سيقومون بمشاركة البنك وبقية المساهمين في الأرباح المحققة بما يجري الاتفاق عليه، كما يقومون بإعادة شراء 80% من الأسهم لدى شركائهم على مدى زمني يتفق عليه (مثلا من خمس إلى عشر سنوات) في تواريخ محددة مستقبلة، وبنظام الاقتراع، ولا شك أن نجاح مثل هذه العمليات يمكن أن يسهم بفعالية في تمويل المشروعات الناشئة دون إرهاقها بأعباء المديونية وفوائدها التي قد تصبح باهظة وتخل بتوازنها، ولكن لا بد من توافر معلومات كاملة تتاح للعملاء المساهمين عن طريق البنك عن هذه الشركات قبل قيامها، ولا بد من مشاركتهم في مناقشة أعمالها بعد ذلك في جلسات الجمعية العمومية، وهذا أمر في صميم جوهر نظام المشاركة الإسلامي خشية حدوث انحرافات في الإدارة (وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض) (24 سورة ص) كذلك ينبغي إعادة تقييم الأسهم عند استرداد المساهمين قيمتها حسب أسعارها السوقية، وليس الاسمية؛ فالسهم حصة شائعة في الملكية وأصول الشركة خاضعة للزيادة أو النقص في القيمة السوقية تبعا لحالة الأرباح المحققة. 3 - عقد الاستصناع: هو أحد العقود الجائزة شرعا، والتي يمكن استخدامها في الأعمال المصرفية الإسلامية، ويمكن عن طريقه المساهمة بشكل فاعل في تنمية المشروعات الصغيرة والصغرى التي تعمل في مجال الصناعة، وهذا العقد لم يستخدم إلى الآن على أي نحو يذكر رغم أهميته البالغة في جميع البلدان التي ما تزال المشروعات الحرفية الصغيرة والصغرى تضم نسبة كبيرة من القوة العاملة خارج النشاط الأولي، ومعنى الاستصناع عموما أن يطلب شخص من صانع أن يصنع له سلعة بكمية ومواصفات محددة، بمواد من عنده، وذلك نظير ثمن معين وموعد للتسليم يتفقان عليه. وجمهور المذاهب على أنه عقد بيع، إلا أنه ذو طبيعة خاصة، ويجوز فيه تعجيل الثمن عند العقد أو تأجيله، ويمكن استنادا إلى عقد الاستصناع أن يقوم البنك بدور الوساطة بين شركة كبرى خاصة أو عامة أو هيئة من الهيئات الحكومية تطلب تسليم سلع معينة محددة المواصفات بمقادير معينة في تاريخ آجل وبعض أصحاب الأعمال الصناعية فيقوم بتمويل الطرف الأخير الذي يتعهد بتسليم السلع المتعاقد عليها كما هو مطلوب في تاريخ معين، ويقوم البنك بتسليمها إلى الجهة الطالبة مقابل الثمن المتفق عليه، وتتيح هذه الوساطة المصرفية فرصة للربح طالما أن تكلفة الاستصناع، وهي الثمن الذي يتفق عليه البنك مع الصانع تقل عن الثمن الذي يحصل عليه البنك عند تسليم البضاعة للجهة الطالبة. وتمثل تكلفة الاستصناع نوع التمويل الذي يقوم به البنك من أموال أصحاب الأرصدة الاستثمارية أو من أمواله. ومن الممكن تحقيق أرباح مناسبة من عمليات الاستصناع ما دامت الإدارة تحركت بحرص في عمليات الوساطة بعد دراسات وافية عن إمكانيات الصانع والتزامه الدقيق بالعقد وشروطه من ناحية، والمقدرة الوفائية للجهة الطالبة (المشتري النهائي) من ناحية أخرى، وفي مجال الحديث عن دور البنك الإسلامي في عملية التنمية نجد أن عمليات الاستصناع ذات أهمية خاصة بالنسبة لأصحاب الأعمال الصناعية الصغيرة، فالشركات الصناعية الكبيرة أو المتوسطة قادرة على أن تتقدم مباشرة للجهات التي تطلب تصنيع سلع بمواصفات معينة وتقوم بتمويل عملياتها دون صعوبات. أما أصحاب الأعمال الصغيرة فهم يواجهون عادة مشكلات حادة في الحصول على التمويل اللازم لأعمالهم من مصادرهم الذاتية أو من المصادر التمويلية التقليدية، وعلى رأسها البنوك التجارية، لذلك فإن دخول البنك الإسلامي ممولا لصغار الصناع ووسيطا بينهم وبين الشركات الكبرى والمؤسسات العامة التي تطلب تصنيع سلع بمواصفات معينة يمكن أن يهيئ لهم فرصة غير عادية للنمو، بينما يحقق له أيضا إيرادات مناسبة من وراء ذلك النشاط. ويلاحظ أن دور البنك الإسلامي ما يزال محدودا للغاية إلى الآن في هذا المجال. 4 - بيع السلم: عقد السلم أو السلَف على عكس البيع الآجل، حيث يعني دفع ثمن السلعة عاجلا للبائع وتسلم المشتري لها منه آجلا، ولا خلاف بين الفقهاء على جواز بيع السلم على أن تحدد مواصفات السلعة المسلم فيها بدقة – أو كما هو معروف في السوق - ويكون كل من السعر والأجل معلوما للطرفين، وحينما يقوم البنك بعمليات بيع السلم فإننا نرى مرة أخرى على سبيل التأكيد أن يكون وسيطا فيه لا أكثر؛ لأنه ليس تاجرا يشتري لغرض التجارة في حد ذاتها، لذلك فإن بيع السلم سيكون مصدر إيرادات للبنك إذا أمكن القيام بالتعاقد مع بعض المنتجين (البائعين) على شراء بضاعة منهم بمواصفات محددة، وبثمن معين، وبشرط تسلمها في تاريخ أجل محدد، والتعاقد في الوقت نفسه على بيع هذه البضاعة في التاريخ المحدد سلفا بثمن أعلى من ثمن الشراء (السلم الموازي)، وتسهل هذه العملية كلما كانت هناك أسواق منظمة للتعاقد والتسليم الآجل، ويعتبر ثمن الشراء الذي يدفعه البنك بمثابة تمويل للمنتجين (البائعين) الذين يتعهدون بتسليم بضاعة آجلا. وللتأكيد، فإن بيع السلم يمكن أن يحتل - كصيغة لاستخدام الموارد التمويلية للبنك - مكانة أهم من بيع المرابحة الآجلة إذا أديرت عملياته بكفاءة، ويلاحظ أن تعظيم ربح البنك من علميات السلم سوف يتحقق كلما زاد الفرق بين ثمن الشراء من المنتجين وثمن البيع للبضاعة في سوق العقود الآجلة، وكلما تضاءل الفرق الزمني بين تاريخ تسلم البضاعة من المنتج وتاريخ تسليمها للمشترى النهائي. أما بالنسبة لدرجة المخاطرة Risk في بيع السلم فإنها تتعاظم كلما قلت الثقة في مقدرة البائع بالسلم على تسليم البضاعة بالمواصفات المطلوبة أو في التاريخ المحدد، أو كلما تعذر على البنك إجراء التغطية اللازمة في سوق العقود الآجلة للبضاعة المسلم فيها، أو تعذر عليه التنبؤ باتجاهات الأسعار المستقبلية لهذه البضاعة، ولذلك فإن الإدارة الناجحة لعمليات السلم من قبل البنك تستدعي تقليل هذه المخاطرة إلى حدها الأدنى الممكن، ونرى أنه من الأفضل أن يستعين البنك في عمليات السلم بخبراء أو وكلاء أو شركات متخصصة في عمليات البيع والتسليم الآجل. كما تقترح لأجل أهداف التنمية الاقتصادية أن يعتمد البنك الإسلامي على عمليات بيع السلم بشكل خاص في مجال التجارة الخارجية (التصدير والاستيراد) فمن الممكن عن طريق وكلاء متخصصين أو شركات أن يجري الاتفاق مع أعداد كبيرة من منتجي سلعة تصديرية معينة أن يتم شراء إنتاجهم في تاريخ لاحق محدد، وبمواصفات وكميات محددة بطرق السلم، على أن يتم إجراء عمليات بيع سلم لمستوردي هذه السلعة في خارج البلاد في نفس التاريخ .. وهذه العمليات يمكن أن تدر أرباحا كبيرة للبنك إذا تمت بالكفاءة المطلوبة، وفي نفس الوقت تسهم في عملية تنمية الصادرات التي هي جزء لا يتجزأ من عملية التنمية، ويمكن أيضا أن تتم عمليات استيراد بطريق السلم لسلع ومستلزمات إنتاجية لصالح مشروعات داخل البلاد. 5 - عقد المضاربة: هذا العقد من أكثر العقود أهمية للنشاط الاقتصادي الذي يعتمد على المشاركة في الربح والخسارة، كما كان في الماضي أيضا. فعن طريق هذا العقد يمكن تمويل مشروعات إنتاجية على مستويات حجم مختلفة، ولقد اعتمدت البنوك الإسلامية منذ قيامها إلى الآن على هذا العقد من جهة تعبئة الأموال القابلة للاستثمار، وذلك بعد أن تم تطويره إلى ما يسمى بالمضاربة المختلطة أو الجماعية حتى يتلاءم مع الأعداد الكبيرة من العملاء، كذلك دعت ظروف النشاط المصرفي الإسلامي في ظروف التنافس مع النشاط المصرفي التقليدي، وتحت مظلة القواعد المصرفية السائدة إلى إتاحة قبول أموال من العملاء على مدار العام دون تحديد لأوقات بعينها تبدأ فيها عمليات مضاربة معينة أو تنتهي فيها، ومن ثم فقد أصبح التلقي للأموال على أساس المضاربة مستمرا دون توقف أو دون تحديد لبداية أو نهاية، وهكذا يمكن تسمية المضاربة التي تمارسها البنوك الإسلامية بالمضاربة المختلطة المستمرة، وهي صيغة مستحدثة تماما لم تعرف في القديم، ولكنها تظل مقبولة بشروط حتى لا تنحرف عما تقرره الشريعة الإسلامية. وبينما يرتبط التمويل التقليدي من البنوك بقدرة الأفراد أو المشروعات على الوفاء بالدين وفوائده فإن التمويل بالمضاربة يرتبط مباشرة بالقدرة التنظيمية على ممارسة نشاط إنتاجي والنجاح فيه؛ فالبنك حينما يقبل مبدأ المشاركة في الربح أو الخسارة داخل الإطار الإسلامي فإنه يقوم بتمويل رجال الأعمال الأكفاء والأمناء الذين لديهم مشروعات واعدة، كما يتعين على إدارة البنك أن تنتقي أو تفضل المشروعات الأعلى ربحية طالما تتوافر فيها شروط الحلال. وأظهرت الممارسات المصرفية الإسلامية أن صيغة المضاربة الجماعية أو المختلطة نجحت نجاحا كبيرا في تجميع الموارد التمويلية، ولكنها ظلت محدودة جدا في استخدامات هذه الموارد. أما من جهة نجاحها في تجميع الموارد فذلك لأن صيغة المضاربة المختلطة المستمرة خفضت درجة المخاطرة التي يتضمنها مبدأ المشاركة في الربح والخسارة إلى أدنى حد ممكن، وسمحت بتوزيع دوري للأرباح، وهو الأمر الذي يتفق مع رغبات معظم العملاء. أما من جهة الاستخدامات فقد كان الأمر مختلفا بشكل كبير، لقد تردد معظم مديري البنوك الإسلامية في الاعتماد على عقود المضاربة في استثمار الموارد التمويلية مفضلين صيغا أخرى، والأسباب في ذلك عديدة، لقد كان معظم مديري البنوك الإسلامية من العاملين من قبل في بنوك تقليدية، وقد اعتادوا إقراض العملاء المليئين ماليا والمعروفين لديهم بالإضافة إلى أخذ الضمانات المالية اللازمةCOLLATERALS كلما لزم الأمر، كل هذا أصبح غير مستساغا من جهة الأهداف المصرفية الإسلامية، أو غير مقبول شرعا، هذا بينما افتقدت الإدارة أسسا أخرى عملية يمكن استخدامها في تمويل العملاء بالمشاركة. إن المضاربة من وجهة نظر صاحب المال عقد يقوم على عنصرين أساسيين: الثقة في أمانة المضارب، والثقة في خبرته وكفاءته في استثمار المال. وفي المجتمعات القديمة أو الصغيرة محدودة العدد، وفي إطار قيم أخلاقية فاضلة، لم يكن عسيرا أن يقوم صاحب رأس المال بتقدير هذين العنصرين، أما في إطار الواقع المعاصر، ومن خلال النشاط المصرفي كيف يقوم المدير المسئول عن التمويل بتقدير هذين العنصرين؟ وماذا يحدث إذا أخفق في عمل تقديرات صحيحة؟ أليس في هذا تعريض لأموال العملاء والبنك للضياع؟ إن ثمة اقتراحين يمكن التقدم بهما لمعالجة الفجوات النظرية في نظام المضاربة، وذلك بهدف تطويره وإحيائه في مجال استخدام الموارد التمويلية للبنوك، ويعتمد الاقتراح الأول على وضع أسس موضوعية وشرعية يمكن الاعتماد عليها في التطبيق العملي للثقة في العميل وأمانته وخبرته، وذلك بدلا من الاعتماد على التقديرات الخاصة لإدارة التمويل بالبنك. أما الثقة في العميل فليست مسألة شخصية، إنما هي موضوعية بحتة تتعلق بالثقة في مشروعية الذي يطلب له تمويلا والثقة في قدرته على القيام به بنجاح، ومن الممكن الاعتماد على إحدى إدارات البنك للقيام بدراسة جدوى المشروع المقدم، والتأكد من وجود الجدية والخبرة والكفاءة اللازمة لدى صاحب المشروع والفريق الذي يعمل معه، وأما أمانة العميل فلا يمكن أن تترك للتقديرات الخاصة – كما كان الأمر في ماضي الزمان – وإنما يجب اعتمادا على معلومات دقيقة أن تبنى على عوامل موضوعية خاصة بسجله السابق وسيرته الذاتية وشهرته في المعاملات، أو مدى استعداد طرف آخر لتزكيته لدى البنك أو ضمان تعهداته لدى البنك، ومن المؤكد - نظريا - أن مثل هذه الآلية في تطبيق المضاربة توفر أمانا أكبر بالنسبة لاستخدامات الموارد التمويلية، ليس فقط بما هو قائم الآن في البنوك الإسلامية، بل بالمقارنة بممارسات للبنوك التقليدية القائمة على قاعدة الملاءة المالية، وأخذ الضمانات. أما الضمانة الأولى فتتمثل في وضع شروط تشتق من دراسة الجدوى يلتزم بها المضارب في استخدام الموارد التمويلية، والثانية تتمثل في تنظيم تدفقات التمويل إلى المشروع في دفعات مرتبطة بجدول زمني، بناء على دراسة جدوى المشروع من جهة، وتقارير دورية خاصة بمتابعة المشروع من جهة أخرى، ويلاحظ أن وضع الشروط يعني تقييد المضاربة، وهو جائز لدى الحنفية والحنابلة، فإذا لم يلتزم المضارب بالشروط يصبح ضامنا لرأس المال الذي أخذه من البنك دون نقص في حالة الخسارة (تبعا لقاعدة الضمان عند التعدي)، كذلك يلاحظ أن متابعة المشروع من خلال تقارير دورية لا تعني، ولا يجب أن يقصد بها التدخل في إدارة المشروع؛ لأن هذا أيضا يفسد المضاربة. أما الاقتراح الثاني لتطوير المضاربة فيرتبط بتهيئة موارد تمويلية أكثر ملاءمة لها، وذلك بإصدار شهادات أو صكوك مضاربة مخصصة لمشروعات معينة على أن تكون قابلة للتداول في سوق الأوراق المالية، ولا يجوز استرداد قيمتها نقدا مرة أخرى، بل تصفيتها بالزيادة أو بالنقص عند انتهاء عمل المشروع أو بعد خمس سنوات مثلا أيهما أنسب، ومن حق أصحاب هذه الصكوك التعرف على المركز المالي للمشروع في كل سنة، والحصول على نصيبهم من الأرباح حسب الشروط المعلنة عند الإصدار. ويختلف هذا الاقتراح في مضمونه وتفاصيله عما هو قائم الآن في ممارسات بعض البنوك الإسلامية. فشهادات المضاربة المصدرة الآن غير مخصصة لمشروعات معينة، وإنما هي مرتبطة بمجموع الموارد التمويلية على أساس صيغة المضاربة المختلطة. كذلك فإن شهادات المضاربة المصدرة قابلة للاسترداد من البنك المصدر لها بنفس قيمتها، إما عند الطلب أو بعد عدة سنوات، ويلاحظ أن التعهد برد قيمة الشهادات نفسها يلقي شبهة على تطبيق مبدأ المشاركة في الغنم والغرم، خاصة أن الشهادات تتلقى ربحا دوريا في نفس الوقت. هذا الاقتراح عند تنفيذه سوف يفتح بابا عريضا لممارسة المضاربة على نحو يتمشى مع مقاصد الشريعة الإسلامية ويحقق أهداف المصرفية الإسلامية وأهداف التنمية التي ترتبط ولا شك بالاستثمارات طويلة الأجل في النشاط الاجتماعي. وإذا كان البعض يعتقد أن الدفاع عن البنوك الإسلامية ينطلق فقط من مجرد عواطف إيمانية فهو مخطئ، ذلك لأن هناك أدلة اقتصادية عديدة تبرهن على أن النظم التمويلية القائمة على المشاركة في الربح أو الخسارة تؤدي إلى تعبئة المدخرات بشكل أتم، وإلى توظيف الموارد التمويلية للبنوك في أفضل الاستخدامات الممكنة لها بالإضافة إلى تحقيق عدالة توزيع الدخل وبث روح المشاركة في نفوس أصحاب الأموال والمدخرات بدلا من السلوك السلبي المتمثل في "ضع أموالك في بنك ودع الآخرين يعملون، واضمن لنفسك مهما حدث لهؤلاء إيرادا منتظما ومضمونا". لقد قامت البنوك الإسلامية خلال ربع قرن أو يزيد في بعض الحالات في بلدان إسلامية عديدة بتجميع مدخرات أشخاص لم يكن لهم تعامل مع الجهاز المصرفي التقليدي لإيمانهم الراسخ بحرمة الفائدة في مجالات الاستثمار، كما نجحت البنوك الإسلامية عن طريق أدوات تمويلية مستحدثة بالاشتقاق من عقود إسلامية معروفة كالمرابحة والإجارة والمشاركة، بتمويل أعداد كبيرة من المشروعات الصغيرة والصغرى التي لم يجد أصحابها طريقا من قبل إلى البنوك التقليدية في ظل أنظمتها القائمة على الملاءة المالية والضمانات، ولا شك أن تنمية هذه المشروعات تمثل نقطة انطلاق خطيرة في عملية التنمية بشقيها الاقتصادي والبشري؛ فالعالم كله يتكلم عن التمويل الصغيرMICRO FINANCE الآن ويحاول أن يوائم بين متطلبات البنوك التقليدية في الضمانات وغيرها، ومتطلبات المشروعات الصغيرة والحرفية في التمويل. وهناك دخول للبنوك التقليدية في مجال التمويل الصغير، ولكن بحذر شديد، وبالتعاون مع شركات التأمين أو شركات ضمان الاستثمار، وبالالتفاف حول تعريف المشروعات الصغيرة بما يقلل من حجم المخاطرة المحتواة في تمويلها. أين كل هذا مما فعلته البنوك الإسلامية في أنحاء عديدة من العالم الإسلامي، وما يزال أمامها باب مفتوح لتفعل أكثر بأدواتها التمويلية التي استقرت من البداية على إقرار مبدأ التمويل بالمشاركة في الربح أو الخسارة؟ إلا أنه من حق البنوك الإسلامية علينا أن نعمل على تطوير أدواتها التمويلية بشكل مستمر، وذلك لتصحيح أخطاء التجربة، وتجربة بلا خطأ في عالمنا وهم وكذبة كبرى، والتصحيح طريق للكفاءة، ولكي تصبح هذه البنوك أكثر فاعلية في تلقي الأموال واستثمارها ليس فقط لتحقيق مصالح أصحابها وعملائها، بل لدفع النشاط الإنتاجي الحقيقي نحو النمو بأعلى معدلات ممكنة، لذلك نتناول كيف يمكن تطوير التمويل بالمرابحة، وقد لعبت دورا مهما في تمويل المشروعات الصغيرة بالرغم من كل ما وجه لها من نقد حتى تؤدي دورا أكبر في نمو هذه المشروعات على أسس إسلامية خالية من أي لبس، كما نتناول كيفية تطوير التمويل عن طريق التأجيرLEASING ، وكيفية إحياء وتفعيل عقود لم تعتمد عليها البنوك الإسلامية بعد كما ينبغي، مثال ذلك عقود الاستصناع والسلم والتي باستحداث آليات عملية لتنفيذها بكفاءة، تصبح قادرة على تنمية نشاط أصحاب الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وتنمية الصادرات في نفس الوقت الذي تدر فيه أرباحا مناسبة للبنوك ومن تشاركهم من عملاء. كذلك فإن هناك اقتراحات مقدمة لإحياء المضاربة من جهة توظيف الموارد التمويلية في أفضل الأنشطة الاستثمارية، كل ذلك مما يخدم قضية التنمية الاقتصادية بشكل مباشر، وهو الأمر الذي يقارن بما تفعله البنوك التقليدية في البلدان النامية بما لديها من موارد تمويلية، فهذه البنوك لا تبالي في المقام الأول إلا باسترداد أموالها مع الفوائد، وليس لديها، ولم يكن لديها في أي وقت مضى منهجية ذاتية للمشاركة في عملية التنمية بشقيها الاقتصادي أو الاجتماعي. إن ما قد تشارك به هذه البنوك التقليدية في أنشطة إنتاجية يحدث تبعا لآليات السوق والربحية الخاصة، وفي إطار الضمانات، ويظل محصورا في المشروعات الكبيرة، وقد تصبح مشاركة هذه البنوك في أنشطة طفيلية لا تبالي بالتنمية أو في تحويل أموال خارج البلد أكبر من مشاركتها في الأنشطة الإنتاجية، وقد تقود عمليات التمويل بالفائدة إلى اختلالات في هيكل النشاط الإنتاجي أو إفراط في الاستهلاك أو في الاستثمار كما تؤكد النظريات الوضعية بسبب الاعتماد على آلية الفائدة. إن صاحب هذا المقال على يقين - بحمد الله - أنه سبحانه وتعالى لم ينهنا عن الربا إلا لأنه خسارة، إن لم يكن في بدايته ففي نهايته، دعنا نتأمل في أحوالنا وأحوال عديد من الدول النامية الإسلامية الأخرى ونتساءل: ماذا حقق لنا نظام الفائدة (الربا)؟ ألم يكثر الحديث عن أهميته للتنمية الاقتصادية أين هي هذا التنمية؟ هل يعتبر البعض أن ما يتحقق من معدلات نمو للدخل في حدود 3% أو 4% سنويا تنمية اقتصادية بينما الفجوة الاقتصادية Economic Gap بيننا وبين الدول المتقدمة مستمرة في الاتساع؟ وبينما فجوة الفقر بين أغلبية أبناء المجتمع من الفقراء والقلة من الأثرياء وأصحاب النفوذ مستمرة في الاتساع أيضا؟ من جهة أخرى فإن نجاح البنوك الإسلامية في أداء الدور المنوط بها لا يعتمد على مقولات أو مقالات، وإنما على نوايا صادقة من القائمين عليها وأفعال تؤكد ناحيتين هما: التوسل بالشريعة الإسلامية ومقاصدها في جميع المعاملات والتصرفات وابتغاء أقصى كفاءة في أداء الأعمال، فحينما تتحقق الكفاءة القصوى ويتحقق النجاح والأرباح المرتفعة نتيجة رفض الربا والتعامل فقط على أساس المشاركة في مخاطرة الربح أو الخسارة، حينئذ لن يستطيع أحد أن يجادل في الجدوى الاقتصادية لهذه البنوك، وحينما يتحقق هذا على أسس شرعية سليمة لا ريب فيها، حينئذ فقط سوف تسد أفواه الذين ينتقدون البنوك الإسلامية في أن الربا ما يزال يداخل بعض عملياتها مع أنهم هم أنفسهم يتعاملون بالربا الصريح. وكلمة أخيرة فإنه لكي تنجح هذه البنوك الإسلامية في دورها الإنمائي لا بد من توافر مناخ عام فيه جهد من الجميع، على المستويين الجزئي والكلي، يبذل لإحياء العمل بالشريعة الإسلامية دون إفراط أو تفريط، مناخ فيه نضج تدريجي من حيث التعرف على الثقافة الإسلامية ووعي بعقيدتها، خاصة في مجال الرزق، وفيه مساعدة من الجهات التشريعية ومن البنوك المركزية لمن يسعون لمحو الربا من المعاملات حتى لا نفضل من يعمل بالربا على هؤلاء، ومناخ فيه مؤسسات تعليمية وتدريبية تمد البنوك الإسلامية بحاجتها من الكفاءات البشرية. بقلم : أ. د. عبد الرحمن يسري** استاذ الاقتصاد الاسلامي- جامعة الازهر تاريخ النشر : 21/07/1426هـ