|
الأدوات المالية الإسلامية د. معبد علي الجارحي - رئيس الجمعية الدولية للاقتصاد الإسلامي
تقبل المصارف الإسلامية الودائع (أو الحسابات) الجارية بشروط المصارف التقليدية نفسها. حيث تكون تلك الودائع مضمونة من المصرف ومستحقة تحت الطلب، من دون أن تجني عوائد أو أرباحا. وبالإضافة إلى ذلك تقبل المصارف الإسلامية ودائع استثمارية لآجال مختلفة. وتكون الودائع (الحسابات) الاستثمارية إما عامة أو مقيدة. أما الودائع العامة فتختلط في مجمع واحد مع حقوق المساهمين وتستثمر كمجموعة بشتى الطرق. وتجني كل منها حصة من الربح تتناسب مع ما يتناسب مع نصيبها من المجمع من حيث حجمها النسبي، والوقت الذي أمضته خلال فترة الاستثمار، بنسبة حصتها مقاسة كما وزمنا. أما الودائع المخصصة فتوجه إلى استثمارات بعينها يختارها المودعون من بين البدائل الاستثمارية التي يعرضها المصرف على عملائه. وتجني كل منها حصة من أرباح الاستثمار التي تشارك فيه بنسبة مشاركتها كما وزمنا. وفي كل الأحوال تقوم المصارف الإسلامية باستخدام الودائع التي تجمعها لتقديم التمويل بالأساليب التي وضحناها من قبل. وهي تقوم بذلك بإحدى صفتين: الأولى كوكيل للمودعين. وبالتالي، تستقطع نسبة متفقاً عليها كعمولة مقابل جهودها الاستثمارية، بصرف النظر عن نتيجة تلك الجهود. والصفة الثانية هي أن يقوم المصرف باستثمار الأموال بصفته مضاربا، وبذلك يستقطع نسبة من الأرباح مقابل جهوده، ولكن إذا لم تتحقق أرباح فلا يستحق شيئا، أما إذا تحققت خسائر فتقع على عاتق أرباب الأموال. والمضاربة هي الصفة الغالبة على علاقة المصرف بأصحاب الودائع الاستثمارية. وتتميز المضاربة بأنها توازن بين مصلحة المصرف بصفته مضاربا ومصلحة أرباب الأموال. فهي تعطي المصرف حافزا للسعي وراء الربح دون تحمل مخاطرات غير محسوبة، حتى لا يحرم من الأرباح. كما أنها تعطي رب المال حقه في الحصول على حل الأرباح المتصلة باستثمار أمواله. خصوصاً وأن نسبة اقتسام الأرباح بين المصرف والمودعين يتفق عليها بين الأطراف المعنية سلفا. كما أنه لا يمكن تحديد معدل العائد الفعلي الموزع على المودعين مقدما قبل ظهور نتائج الاستثمار. ويعتمد هذا المعدل على أداء كل مصرف على حدة في مجال اختيار الاستثمارات وإدارتها. ولما كانت أساليب التمويل الإسلامي توجه إلى تمويل عمليات حقيقية في مجالات الإنتاج والتبادل، فإن معدل العائد المترتب عليها يعتمد أيضا على أداء الاقتصاد ككل. وتقوم الأدوات المالية بصفة عامة بدور مهم في خفض نفقات التبادل لكل من المدخرين والمستثمرين. فمن الممكن تصميم تلك الأدوات لتناسب مختلف المتطلبات والأذواق لكلا الطرفين، الأمر الذي يخفض إلى حد بعيد من تكاليف التفاوض حول الشروط الخاصة بحجم الاستثمارات وآجالها، وصيغة اقتسام الأرباح وغير ذلك من الشروط التي يحتاج المدخرون والمستثمرون إلى الاتفاق عليها فيما بينهم. ومن أسباب فاعلية الأدوات المالية في تخفيض تكلفة التبادل أنها تزيد من قدرة المؤسسات المالية على الوصول إلى مالكي ومستخدمي الموارد المالية، من خلال تمكينها من التعامل مع أعداد ضخمة من المتعاملين، وبالتالي الإفادة من وفور الحجم الكبير، التي تنجم عن القدرة على تبادل الأدوات المالية في أسواق أولية وثانوية. وفي هذا الصدد، يمكن أن نتعرف الى ميزتين تتمتع بهما الأدوات المالية الإسلامية من دون الأدوات التقليدية. الميزة الأولى هي النطاق الأوسع للتفاوض. ففي ظل التمويل الإسلامي، يتفاوض المدخرون والمستثمرون على معدل لمشاركة الربح فيما بينهم يقع بين صفر ومائة في المائة. وبالمقارنة، فإن مصدري الأدوات المالية التقليدية مضطرون إلى التساوم على تقسيم العائد في نطاق أضيق بكثير، لا يتجاوز الفرق بين سعري الفائدة على الإقراض والاقتراض. ولا شك أن النطاق الأوسع للتفاوض يمكن الوسطاء الماليين من أن يكونوا أكثر فاعلية في تعبئة الموارد المالية من جهة، واجتذاب المستثمرين من جهة أخرى. ومن الملاحظ في ظل التمويل التقليدي أنه عندما يود الوسطاء الماليون تعبئة المزيد من الموارد المالية، يقومون برفع أسعار الفوائد المدفوعة للمدخرين، ولكنهم يضطرون في الوقت نفسه إلى زيادة أسعار الفوائد التي تفرض على المستثمرين. وعلى خلاف ذلك، فإن الوسطاء الماليين في ظل التمويل الإسلامي يمكنهم تعبئة المزيد من المدخرات من خلال تقديم نسب أعلى للمشاركة في الربح إلى المدخرين. ويؤكد أن هذا الربح الذي يتقاسمه المدخرون والوسطاء يتكون من العائد الذي حصل عليه الوسطاء من المستثمرين بعد خصم جميع التكاليف، بما في ذلك تكلفة التمويل. وفي الوقت نفسه، يمكن للوسطاء اجتذاب المزيد من المستثمرين بأن يقدموا لهم معدلا أعلى للمشاركة في الأرباح، مما يعني ضمنا تكلفة أقل للتمويل. وبالتالي، فعلى عكس التمويل التقليدي، لا يتناقض اجتذاب المزيد من المدخرين في ظل التمويل الإسلامي مع اجتذاب المزيد من المستثمرين. ولذلك يمكن القول إن التمويل الإسلامي يتسم باتساق الأهداف، وهي صفة لا يتصف بها التمويل التقليدي. وهكذا يمكن القول: إن الوساطة المالية التي يمارسها القطاع المالي غير المصرفي في ظل التمويل الإسلامي، تنطوي على تكاليف تبادل أقل، كما يمكنها تعبئة الادخار والاستثمار بدرجة أكثر فاعلية من التمويل التقليدي. |
|
>> المصدر : الخليج الإماراتية |