تمويل المشروعات الصغيرة ومتوسطة الحجم

(دراسة مقارنة بين التجربتين الإيطالية والسورية)

Small & Medium Enterprises Financing

 

الدكتور سامر مظهر قنطقجي

نشرت في جريدة الاقتصادية السورية – العدد 92 تاريخ 13/04/2003

 

 

يبدو أننا لم نعتبر من أخطاء تجربة استنساخ "دولي" ، فقمنا باستنساخ تجارب مَنْ ليسوا بأحسن حالٍ منا وغاب عن بالنا قول الشاعر "تشبهوا بالكرام". لقد جاءت تجربة هيئة مكافحة البطالة متأخرة جداً نسبةً إلى تجارب الدول الأخرى ، كالولايات المتحدة (1953) والهند (1954) وإندونيسيا (1970) واليابان (1973) ...الخ، ولكننا بالرغم من ذلك قمنا باجتزاء تلك التجارب المستنسخة وأسندنا التطبيق إلى أناس قليلي الخبرة إلا من تجارب عاشوها في بيوتهم أو في مناطقهم وهذا غير كافي ، فنحن نتحدث عن مقدّرات دولة تبحث عن التحديث والتطوير برعايةٍ جادةٍ من أكبر مسؤول فيها.

وبسبب التخبط الذي تعيشه هيئة مكافحة البطالة في سورية وعدم وضوح استراتيجيتها بشكل صحيح فقد رغبت بعرض مقارنة بين تجربتين بينهما بعض الظروف المتشابهة وقد كنت جزءاً منهما ، إحداها في الاتحاد الأوربي وتحديداً في إيطاليا والثانية في سورية كمركز تدريب معتمد لهيئة مكافحة البطالة. عسانا نلحق بالركب ، فالزمن مسلط علينا كالسيف. وهناك من لا يقّدر ذلك وقد غاب عن خاطره أن من يخرق السفينة من جهته فإنه مُغرقها لا محالة وإن كان خطؤه مشفوعاً بنية أنه يرغب بالخير فعندئذ تكون المصيبة أعظم.

 

أولاً - التجربة الإيطالية

بدأت المشروعات الخاصة الصغيرة تلقى إقبالا حتى في الدول التي تمتاز بسيطرة الدولة مركزيا على الاقتصاد الوطني. ومن القطاعات التي سُمح فيها للأعمال والمشروعات (صغيرة ومتوسطة الحجم) العمل في قطاع البضائع الاستهلاكية وهو قطاع تعجز مؤسسات الدولة عن تأمين حاجاته بصورة وافية.

دأبت استراتيجية الاتحاد الأوربي على تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم، وتبسيط إداراتها ولوائحها الناظمة، وتطوير الأبحاث والاختراع، وتبادل الخبرات بين دول الاتحاد وذلك بزيادة اللقاءات والمحاضرات والاجتماعات. فضلا على تحسين البيئة المالية والتمويلية لهذا النوع من الشركات.

وفي هذا السياق لابد لنا من الإشارة إلى تحسين وزيادة فعالية البيئة القانونية لضمان الحقوق، فتنمية الأعمال تحتاج إلى بيئة متكاملة.

تسيطر المشاريع الصغيرة على البنية الإنتاجية للاقتصاد الإيطالي. ولدى 45% من الشركات الإيطالية 10 عمال/موظفين أو أقل ، وهذه النسبة أكبر مرتين من المعدل الأوربي. ففي ألمانيا وفرنسا لا تتعدى النسبة 20% وفي بريطانيا 30%. وتساهم الشركات التي تشغّل أقل من 20 عامل/موظف في تحقيق 42% من القيمة المضافة في الصناعة والخدمات غير المالية. أما عدد الشركات الضخمة التي تشغل أكثر من 500 عامل موظف في ايطاليا فلا تتعدى 20% بينما تصل نسبة مثل هذه الشركات في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا إلى 33%.

إن بنية القطاع الصناعي في إيطاليا تختلف عن تلك الموجودة في البلدان الأوربية لأنها تنتج بشكل أساسي سلع الاستهلاك النهائي والسلع متوسطة التقنية. وتلعب فيها كثافة رأس مال التصنيع وعمليات الإنتاج المتقدمة دورا بسيطا. ولا تستخدم التكنولوجيا العالية، وتكون بضائعها قليلة الحركة الخارجية – عبر الحدود – كما أن أسعارها سرعان ما تتأثر بظروف السوق. إضافة إلى أن الشركات الإيطالية هي أصغر من نظيراتها الأوربية بشكل عام باستثناء  صناعات السيارات والتجهيزات المكتبية. لكن فجوة المقارنة تتسع مع الشركات الأوربية في المشاريع المتوسطة الحجم التي تستخدم 100-500 عامل/موظف، فهي تستقطب أقل من 10% من إجمالي اليد العاملة الإيطالية، بينما تصل هذه النسبة في ألمانيا إلى 17.50% و16% في فرنسا و17% في بريطانيا.

ولقد أظهر قسم الأبحاث في مصرف إيطاليا Bank Of Italy أن الأهمية المحدودة للمشاريع متوسطة الحجم تصبح كبيرة في حال تصنيفها على أساس ملكيتها لأنها غالبا ما تتجمع على شكل مجموعات ضمن تنظيمات تسمى (اتحاد شركات). ويعكس مستوى التوظيف فيها ضخامة عدد هذه المشاريع الصغيرة. ففي إيطاليا  750.000 مشروع صغير يشغّل كلا منها أقل من 10 عمال/موظفين. وهذه المشاريع  عبارة عن شركات تعمل جنبا إلى جنب يصل عددها إلى 2.300.000 مشروع فردي. ففي الشمال الإيطالي 250 شركة لإنتاج الكراسي متنافسة فيما بينها، لكنها تتعاون بشكل اختصت فيه كل شركة بجزء من تلك صناعة فحققوا إنتاجية عالية ونوعية ممتازة منافسة عالميا. وفي هذا السياق فإن منظمة Confcommercio -الاتحاد التجاري الإيطالي العام- يضم هذه المشاريع ويعتبر أكبر ممثل في إيطاليا لأنه يضم أكثر من 750.000 من قطاعات التجارة والسياحة والخدمات.

الاحتياجات المالية للمشاريع الصغيرة:

تمر المشاريع الصغيرة عند تأسيسها بعدة أطوار، وتختلف أشكال التمويل فيها حسب الطور الذي تمر فيه:

1.    طور التأسيس: يتم عادة من قبل العائلة المالكة.

2.    طور النمو الأولي: يتم ذاتيا من خلال الأرباح المستثمرة.

3.  طور النمو المتسارع: يمكن للمالك أن يقترض الأموال من المصارف، مستعينا ببعض المنظمات التي تساعده في تقديم الكفالات كمنظمة Confcommercio مثلا مما يخفض تكلفة رأس المال.

4.  إذا احتاج المشروع إلى استثمار جديد لتوسيع عمله أو لتنويع منتجاته، فإن التمويل يمكن أن يقدم من الجهات الحكومية أو ما شابهها.

5.  يمكن تخفيض تكلفة الأموال المقترضة بإستصدار عدد من القوانين تخص الشركات التي تتمتع بتصنيف معين أو التي تمارس عملها في موقع جغرافي محدد.

6.  المصارف هي مصدر الأموال، وهي التي تؤمن التمويل قصير الأجل. وفي بعض الأحيان يمكن جدولة ديون المشاريع السابقة وتوحيدها لزيادة رأس المال العامل فيها على المدى المتوسط. ومن الضروري أن يراعي النظام المصرفي البيئة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع المالي الموجود.

دور منظمة Confcommercio مع المصارف:

يمكن تلخيص دور منظمة الاتحاد التجاري الإيطالي مع المصارف بما يلي:

1.    تسريع عمليات التحقق من المشاريع وإجراءات منح القروض.

2.    المصادقة على الكفالات المقدمة.

3.    التمويل الصحيح للاحتياجات الأنسب.

4.    الوصول إلى تكلفة حقيقية للأموال المقترضة.

أما التمويل متوسط الأجل فيسعى إلى تأمين الأموال اللازمة لتمويل رأس المال العامل، وتحقيق الاندماجات، وتمويل التأجير (أي استئجار التجهيزات).

بينما يتوجه التمويل طويل الأجل بأشكاله العديدة إلى مقابلة التطورات المتنامية للأصول الثابتة، ما يرتبط غالبا بنظام الكفالات التي تساعد في التقليل من مخاطر رأس المال. كما أن مصدر الأموال في هذه الحالة هي المصارف ذاتها. ونادرا جدا ما تكون من الأموال الخاصة.

وعليه فإن التمويل المالي هو من أهم معوقات تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة. ولابد من حلول تتضافر فيها جهود جميع الأطراف وتتناسب مع البيئة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع.

جمعيات تبادل الكفالات والمشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم Mutual Guarantees Societies & SME’s

إن الاهتمام بتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم جزء لا يتجزأ من عملية التنمية. لكن وبسبب عجز المصارف التقليدية عن القيام بهذه المهمة نشأت مؤسسات جديدة تستهدف تمويل وتنمية هذه المشاريع واتخذت أسماء مختلفة كمصارف التنمية أو هيئات تمويل المنشآت الصغيرة (كهيئة مكافحة البطالة في سورية). واستلزم قيام مثل هذه المؤسسات نشوء مؤسسات أخرى وسيطة غايتها ضمان سداد القروض كبديل عن تقديم الضمانات التي يعجز أصلا أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم عن تقديمها.

إن جمعيات تبادل الكفالات ما هي إلا مبادرة وضعتها الدوائر الاقتصادية والاجتماعية (كغرف التجارة واتحادات الأعمال التجارية والمصارف وغيرها) لخدمة المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم في مجال التمويل، لتكون بمثابة حلقة وصل بين أطراف ثلاثة: المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم - المصارف - السلطات العامة.ولهذا الغرض تؤسس صناديق الكفالات من قبل الدول أو إدارات المناطق كأداة كفالة في مجال خدمة المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم، وتتدخل هذه الصناديق مباشرة تجاه الملتزم أو كضامن للالتزام المأخوذ من قبل جمعيات تبادل الكفالات مما يؤدي إلى تأثير فعال بين القطاعين العام والخاص.

 

 

 

 
وتسعى كلٌ من جمعيات تبادل الكفالات وصناديق الكفالات للوصول إلى الحل الأمثل لاستثمار القروض في المشاريع ذات الحجم الصغير والمتوسط والتي عادة ما تفتقد إلى الضمانة الضرورية المطلوبة من المصارف مما يؤدي إلى تشكيل علاقة ثابتة على المدى الطويل.

وعليه تتوجه هذه الجمعيات إلى المؤسسات الفردية والمشاريع الصغيرة (حديثة التكوين أو ذات الأشكال العائلية المتعاقبة) وإلى الشركات التي تتوسع بسرعة (الشكل 1) فتحسّن من معنوياتها وتزيد من كفاءاتها عن طريق الخبرة والتدريب والمهارات وتقييم الأعمال والأمور التقنية ، والمساعدة على إنجاز خطط العمل وكذلك تزويدها بمعلومات ميدانية حول القطاع ومدى تطوره التقني والتسويقي والوضع التنافسي..الخ. كما أنها تشجع المبادرات وتحث عملية الالتزام من خلال التقييم الإيجابي للبيئة المهنية. وتسعى إلى تأمين بنية مالية مناسبة وإلى تحسين شروط الاقتراض ، وتزود المشاريع بالنصح والإشراف بما يتعلق بالإدارة المالية. ومن المفيد ذكره أن نسبة الفشل في أعمال هذه الجمعيات لا يتعدى 1% وذلك بسبب الدراسات العميقة والانتقاء من المشاريع طالبة القرض والمنح.

ويمكن تقسم المنح التي تقدمها جمعيات تبادل الكفالات إلى نوعين:

1.    منح اجتماعية: حيث تساهم الغرف (التجارية وغيرها) في إعادة رسم السياسة النقدية والتمويلية (من خلال مساهمات أعضائها) في رأس المال المستثمر. كما تحاول إقناع أعضائها بسداد القروض. وتساهم جمعيات تبادل الكفالات هذه في كفالة 50% من القروض التي تقدمها المصارف لخفض الأخطار (الشكل 2). وكمثال على خدمات هذه الجمعيات غير تقديم الكفالات: هي أنه بمجرد تقديم وثائق شراء التجهيزات يتم حسم 20% من ضرائب  المشروع.

2.    منح مالية: وذلك بسداد المنح مباشرة إلى المشروع، أو بتقديم كفالة مدورة بنسبة10% من المبالغ المقترضة مما يحسّن شروط هذه القروض لتعمل بشكل أفضل مما يضفي على النظام الأمن والقوة. ويمكن تقديم المساعدات المالية للمشاريع التي تتوطن في مناطق محددة على شكل مساعدات فورية (قد تصل إلى 5000 يورو). أو إعادة تقييم وضع الشركة أو المشروع الذي يعاني من صعوبات من قبل إدارة المناطق بناء على معايير منها:

المعيار الأوربي25%= (رأس المال المملوك ÷ رأس المال المستثمر) ×100 %  (نلاحظ أنه كلما انخفضت النسبة زادت العلامات)

نسبة التوظيف       = عدد العمال الجدد ÷ رأس المال المستثمر

وبهذا الشكل نحصل على دراسة البنية التركيبية للتمويل لكل منطقة على حدة بغية تطوير هذه المناطق وتشجيعها.

مصدر التمويل

نسبة التمويل

رأس مال مسدد من قبل مالك المشروع

25- 35 %

التمويل من المصارف

20 %

100 %

10 %

تمنحها المصارف

عشرة أضعاف الكفالات

كفالات

نصفها مغطى من المنح

منح

40-50 %

(الشكل 2 - نموذج تمويل المشروعات في إيطاليا)

 

ثانياً - التجربة السورية (هيئة مكافحة البطالة)

أصدر السيد رئيس الجمهورية القانون رقم 71 لعام 2001 القاضي بإحداث هيئة مكافحة البطالة ، كهيئة إنمائية استثمارية عامة ذات شخصية اعتبارية مستقلة ماليا وإدارياً تتوجه في نشاطها إلى الاستثمار في التشغيل والتنمية. وسوف أقتصر على ذكر هذه النبذة لأن نص القانون وشروحه معروفة للجميع. وسنسلط الضوء على عشوائية التطبيق وعدم الانضباط:

أولاً - عشوائية السياسات العامة:

-       إن قرضاً بثلاثة ملايين ليرة سورية يحتاج إلى ضمانات عقارية بأربعة ملايين ونصف (قبل التعديلات الأخيرة) وحسب آخر قرض قدمت ضماناته كانت مساحة الأرض المطلوبة تبلغ 430 دونماً بعلياً. فإذا كانت الأموال المقترح إقراضها تبلغ حاليا خمسين ملياراً فهي بحاجة إلى ضمانات بخمسة وسبعين ملياراً أي ما يعادل 430.000 دونماً من الأراضي ، فكم يمثل هذا الرقم من الأراضي السورية الصالحة لتقديم ضمانات؟

-       هناك قصور في تعريف العاطل عن العمل حسب شروط الهيئة ، كأن لا يكون مسجلاً في التأمينات الاجتماعية وغير موظفاً ، وهذا الشرط ينطبق على جميع الأطباء والمهندسين والمحامين والمقاولين ومن هم خارج ملاك التربية والتجار والحرفيين وكل سيدات المنازل !!! وحسب تشكيلة من اتبعوا دورات في مركزنا فإن أكثر من 90% منهم كانوا أصحاب أعمال وليسوا بحاجة للقروض إلا من باب تنمية الاستثمارات. وكان قرض الثلاثة ملايين الأكثر تناسباً مع الأغنياء منهم لسهولة تأمين ضماناته بالنسبة لهم.

-       إن عمل الهيئة قام أساساً على تخطي الروتين بكل أشكاله طبقاً لطبيعة الأعمال التي سيتم تمويلها ، لكن الذي حصل هو استقدام موظفين من القطاع العام ، أي أناساً اعتادوا على العمل الروتيني غير المبدع إطلاقاً ، مما كان سبباً مباشراً في تراجع عمل هذه الهيئة الحديثة بشكل مبكر.

-       كان الأجدى بالهيئة أن تتعظ من قول الشاعر "لا تنه عن خلق وتأتي مثله"، أي كان عليها أن توظف أناساً عاطلين عن العمل فتسعى بذلك لحل جزءاً من المشكلة التي تدعيّ أصلاً محاربتها.

-       كانت خطة الهيئة لعام 2002 تأهيل وتهيئة 35000-40000 فرصة عمل ، لكن المتتبع لعدد المتقدمين للدورات يلحظ تراجعاً ملحوظاً ومرد ذلك إلى الشروط اللامنطقية للقروض وسوء الأداء والمعاملة. فلو استعرضنا أعداد الملتحقين بالدورات خلال الأسابيع الماضية (في حماة مثلاً) سنجد ذبذبة وانحساراً واضحين علماً أن توقعات الهيئة في الاجتماعات التمهيدية كانت عشرات الآلاف لكل محافظة ، فما سبب كل هذا الانحراف يا ترى؟ ثم لو تتبعنا عدد المتقدمين منهم بمشاريع لانخفض العدد إلى النصف. ولو تابعنا عدد الحاصلين من الناجين منهم على قروض لأصبح العدد ضئيلاً.

الدورة

بدء الدورة

الأسبوع

العدد

1

27/08/2002

1

19

2

03/09/2002

2

20

3

10/09/2002

3

18

 

17/09/2002

4

0

4

24/09/2002

5

16

5

01/10/2002

6

17

 

08/09/2002

7

0

6

15/10/2002

8

14

 

22/10/2002

9

0

7

29/10/2002

10

17

8

05/11/2002

11

15

9

12/11/2002

12

19

 

 

 

155

-       من الخطأ الجسيم أن تُسند إدارة فروع الهيئة كلها أو بعضها إلى مهندسين (مع تقديرنا لجميع المهندسين) لأن عمل الهيئة اقتصادي من رأسها حتى أساسها.

-       كانت من توصيات المدير العام في الاجتماعات التمهيدية أن لا وصاية على المشاريع وذلك لترك الباب مفتوحاً أمام إبداعات القطاع الخاص ليأخذ فرصته كما يراها هو. والذي حصل هو التدخل بكل الجزئيات سواء الصغيرة منها أم الكبيرة مما أدى لقتل كل مرونة ممكنة. فالهيئة تحفظ حقوقها بالضمانات وتستفيد من الفائدة التي تحققها. وطالما أن فشل أي مشروع مرهون بصاحبه وهي (أي الهيئة) لن تتوانى عن الحجز واسترجاع مستحقاتها. فما الداعي إذن لهذا الوصاية المزعجة ؟ لقد استهزأ كثير من المستفيدين من هذا المشروع ، لأن الملاحظات والشروط يمليها من لا يملك أي تجربة من الناحية العملية. ودراسة الجدوى لا تعدو عن كونها مسألة حسابية فيها بعض الشروط البسيطة بمتغيرات من الدرجة الأولى يتم إعادة ضبط أرقامها حسب الملاحظات التي يبديها المدقق بغض النظر عن تمثيلها لواقع مفترض. فمثلاً فُرض على تاجر مواد الدواجن عليه المتاجرة بمادة واحدة فقط كالصوص أو علفه أو دوائه؟ ولا يتم الموافقة على الدراسة إذا اشتركت أكثر من مادة! ولما سأل المستفيد مدقق الإدارة العامة كال له من نفس الكيل.

-       إن الدراسات الأولية للهيئة توضح أن كل مليون ليرة يمكن أن توجد فرصة عمل واحدة ، وعليه فقرض الثلاثة ملايين يحتاج إلى ثلاثة شركاء. ثم أُجبر الشركاء على تشغيل سبعة عمال آخرين ليسدد المشروع تأمينات اجتماعية عن عشرة عمال. وكأن الهيئة تشرك وتجبر المستفيدين على مساعدتها في حل مشكلة البطالة ولو على حسابهم. لذلك فقد أصبحت التزامات المشروع الثابتة تساوي إلى: 150.000 ل.س فوائد إضافة لرسوم التأمينات الاجتماعية التي تعادل 71.820 ل.س (بفرض الحد الأدنى للراتب 3.500 ل.س ×12 شهر× 10 عمال × 17.10 % ) أي أن المشروع سيتحمل 18.500 ل.س شهرياً بغض النظر عن التكاليف الأخرى.

-       في نهاية الدورة التدريبية التي أعدت للمراكز تم التوجيه بضرورة مراعاة المستفيدين فيما لو أعدوا دراسات جدوى لهم. وتم اقتراح وتسمية مكاتب خاصة ، ثم حرّموا على المراكز أو المدربين التدخل بإعداد الدراسة وضرورة إنجازها من قبل المستفيد نفسه دون مساعدة مأجورة من أحد.

-       من المفترض أن دراسة الجدوى التقديرية هي المؤشر الأساسي لتحديد احتياجات المستفيد من القرض ، لكن تبين في الفترات الأخيرة بأن تحديد القرض يتم من قبل الموظف المختص وحسب مزاجه!!

ثانياً – تخبط سياسات الإشراف على الدورات:

-       إن التسلط المتزايد على سير الدورات أمر لا ينتمي للعلمية ولا للمهنية ، فإذا كان من أهداف الهيئة نشر الثقافة الاقتصادية بين الناس ، فبماذا نفسر قيام المشرفة على الدورات بطرد أكثر من حاضر (مرافق أو مرافقة لأخت أو لزوجة أو لابن) لأنه غير مسجل في الدورة علماً أن المركز لا يتقاضى على هؤلاء الحاضرين أي أجور كما أنهم لا يؤثرون على سير الدروس لأن هناك أماكن شاغرة؟

-       وأن المتتبع لتعليمات مديرية التدريب يظن أن المستفيدين هم طلاب مرحلة ابتدائية ، فقد كانت التوصيات في البداية تمنح المراكز الحرية في اختيار الأسلوب الذي تريد ، أما في الفترات الأخيرة فكانت التعليمات بالتوقف عن كل ما هو عملي والأفضل الاكتفاء بإلقاء المحاضرة نظرياً وبذلك تصبح الدورات حبراً على ورق.

-       وأن المشرفين على الدورات ليس لديهم خبرات كافية للتعامل مع هذا النوع من الدورات ، ولولا أن الضرب ممنوع في المدارس لاستخدموه. وبالمناسبة فإن المشرفة على الدورات في معهد التجارة الخارجية في روما كانت مرحة ومؤدبة وتتقن عدة لغات منها العربية وكانت صبورة جداً ولم تخطئ بحق أحد رغم قساوة البعض معها.

-       لقد كان اختيار مراكز التدريب في البداية يخضع لشروط جدية كأن تكون مشهورة ومرخصة ولديها مدربين ذوي خبرات طويلة في التدريب وليس في التدريس ، إضافة لإخضاعهم لفحص من قبل المركز السوري الأوربي وإخضاع الناجحين منهم لدورة في هذا المركز. أما في الآونة الأخيرة فإن اختيار المراكز أصبح لا يحتاج لأي من الشروط السابقة ، كما أن توجيه الدورات يتم دون عدالة إلى المراكز بل حسب مزاجية المسؤول بل ومصلحته أحياناً.

ثالثاً – ضعف خبرات التدقيق المالي:

إن ملاحظات المدققين الماليين لا يُعقل أن تنطوي تحت عنوان تحليل مالي! فمثلاً هناك دراسات تعاد لأصحابها بسبب قلة تكاليف الضيافة أو كثرتها. كما يتم التدخل في تقدير سعر البيع أو في أسعار التجهيزات المقدمة والمرفق بها عروض أسعار على الرغم من مساهمة صاحب المشروع بما يتجاوز قرض الهيئة بمرة أو مرات، فمثلاًً يتم رفض السيارة مع أن صاحب المشروع قد ساهم بأكثر من نصيبه المفروض وبما يتجاوز قيمة السيارة بكثير. ناهيك عن بعض الأخطاء الفنية ، وكأمثلة على ذلك:

1.    إن المدقق المالي الذي تعاملنا معه لم يكن يعرف كيف يحتسب الربح الاقتصادي ولا كيف يميزه عن الربح المحاسبي. مما يدل على اعتماد ذوي الخبرات الضعيفة في مفصل هام من عمل الهيئة.

2.    إن البقرة تحلب 210 أيام حسب ما بينّه معظم المربين وهذا ما أوضحه خبراء من كلية الطب البيطري ومن المؤسسة العامة للمباقر ، أما في معايير الهيئة فإن البقرة تحلب 270 يوماً وهذا مثبت في جميع الدراسات التي تم الموافقة عليها.

3.    إجبار مشاريع تربية الأبقار والأغنام على تسجيل نفقات دعاية وإعلان ولو شكلاً بمقدار 1500 ل.س كرسم لوحة إعلانية (وهذا لن يحصل على الأغلب خاصة لمربي الأغنام الذين قد يسرحون بأغناهم في البادية).

النتائج والتوصيات:

إن ما ذكره السيد د. ميالة حسب رأيه في الحرب ضد الفساد بأن لا تكون حرباً على الأشخاص إنما يجب أن تكون موجهة لتدمير مؤسسة الفساد وبنيته التحتية. وانطلق الوزير العباسي علي بن عيسى من مسؤولية الحكومة بقوله: "لو لم نتفقد الصغير لأضعنا الكبير ، وهذه أمانة لابد من أدائها في قليل الأمور وكثيرها ... وإذا علم معاملونا أنا نراعي أمورهم هذه المراعاة لزموا الأمانة وخافوا الخيانة". لذلك فإن إيجاد قضاء عادل وفعال وسريع هو القوة المدمرة لمؤسسة الفساد ، إضافة لدور الصحافة ، وهذا ما نمارسه بالفعل على منبر الاقتصادية.

إننا بحاجة إلى معايير صارمة تنطبق على الجميع دون استثناء ، فمثلاً من أراد أن يشغل منصب كذا يجب أن تتوافر فيه درجة علمية كالدكتوراه أو الماجستير والأفضلية لمن درجته أعلى وصاحب اختصاص ، كما يُفضل خريجو الجامعات حسب تصنيف وزارة التعليم العالي ، وأن يحمل شهادة TOEFL بدرجة كذا ، وشهادة في تقنية المعلومات مثل MCSE أو OCP أو MCSA ، ويفضل من لديه أبحاث تطبيقية ونظرية وخبرات أطول. نعم قد لا نجد إلا القلة بهذه المواصفات في السوق المحلية وبشكل فوري ، لكن إذا أعلنا أن الراتب سيكون 150.000 ل.س (مائة وخمسون ألف) مثلاً فسوف نجد خلال ستة شهور فائضا متاحا من هذا الطلب. وهذا ليس بضرب من الخيال فصفحات الاقتصادية شهدت إعلانات طلب موظفين بشروط شبيهة وبهذا الراتب، بل من الغريب أن نعرف أن خبير هيئة مكافحة البطالة يتقاضى 500.000ل.س (خمسمائة ألف) ولم نحصد سوى الفشل والتخبط.

وبناء على ما تقدم فإننا نوصي بضرورة:

§       العمل على توصيف بنية القطاعات السورية من حيث كونها مشاريع صغيرة ومتوسطة وكبيرة الحجم خاصة مع ازدياد عدد المشاريع الصغيرة التي تدعمها هيئة مكافحة البطالة وذلك ضمن خارطة استثمارية للوصول إلى هدف استراتيجي ومحدد قبل الوقوع في أزمة تصريف الإنتاج.

§       دعم وتطوير دور المنظمات المهنية (كالغرف والنقابات وهيئة مكافحة البطالة) لتعمل بشكل علمي ، خاصة في مجال تقديم الضمانات. فكما أشرنا سابقا إن هذا النوع من المشاريع ينقصها إمكانيات توفير الضمانة التي تطلبها المصارف. ولمَ لا نستفيد من التجربة الإيطالية بأن يكون دور الهيئة كدور الاتحاد التجاري الإيطالي؟

§       لمَ لا تكون القروض مجانية أسوة بمشروع صندوق فردوس الذي تشرف عليه السيدة أسماء الأسد والذي يهدف إلى تحسين حياة المجتمع الريفي وتعزيز نموه الاقتصادي وذلك بمنح قروض مجانية لإقامة مشاريع صغيرة. فهؤلاء بحاجة لم يساعدهم لا من يستغلهم. ومن يدقق في دور هيئة مكافحة البطالة في سورية يرى أن دورها لا يعدو عن سمسار مع المصارف لأنها أخذت شكل هيئة استثمارية تقرض المال بفائدة أقل من المصرف الزراعي بمقدار بسيط لذلك لن تجد هذه السياسات صداها ولن تحقق الغايات التي وضعت من أجلها. وسوف نشهد في الفترات القادمة لعبة الديون والفوائد وإعادة جدولة الفوائد قبل جدولة الديون تلك الحالة التي تتكرر على مستوى الأفراد والدول.

§       منح فترة إعفاء ضريبي (ولو لفترات بسيطة) لهذه المشاريع أسوة بغيرها التي ترخص على قانون الاستثمار رقم 10.

§       تمديد فترات السداد بالنسبة للمشاريع حسب نوعها ، فلتشجيع الناس على المشاريع الصناعية يجب تكون فترة السداد ممتدة على 7-8 سنوات والزراعية على 5 سنوات ويكفي التجارية منها 3 سنوات.

وأخيراً أختم مقالي هذا بمقولة للدكتور يوسف القرضاوي ففيها عبرة لمن أراد أن يعتبر "إن العمل في الشؤون المالية مَزلّة قَدَم  لا يثبت فيها ضعفاء الأخلاق ، ولا هزيلو الإيمان الذين تزيغ أبصارهم عند أول بارقة من الدنيا".