تمويل
الإسكان وفق الشريعة الإسلامية
أولاً:
نطاق وإطار مشكلة الإسكان في العالم الإسلامي
ثانياً:
المشكلات التي تواجه التمويل المصرفي الإسلامي الدولي في مجال الإسكان
ثالثاً:
محفزات تمويل المصارف الإسلامية للإسكان على مستوى دولي
رابعاً:
أساليب وآليات التعاون الدولي بين البنوك الإسلامية في مجال الإسكان:
1.
محفظة البنوك الإسلامية لتمويل الإسكان
2.
التجمعات المصرفية (كونسورتيوم)
3.
التعاون الثنائي
4.
توريق الاستثمارات
-
شهادات التأجير
-
شهادات الاستصناع
-
شهادات الإسكان
5.
الخاتمة
إن
الحديث عن (التعاون الإسلامي الدولي) في معالجة القضايا والمشكلات التي يعاني منها
العالم الإسلامي بمختلف أشكالها وأنواعها يجب أن يتجاوز الاعتماد على المؤسسات
الخيرية أو مؤسسات الإنماء الاجتماعي الحكومية أو الدولية، حيث اعتدنا أن نلقى
عليها أعباء وواجبات فوق طاقتها ومقدراتها، إلى إيجاد آلية واقعية تتعهد بتوفير
بيئة من المصالح المادية المشتركة بين مختلف الجهات ذات العلاقة بالمشكلة المحددة
حتى يتم تحقيق نجاحات مقدرة.
ومشكلة
السكن من المشكلات التي لها انعكاسات إنسانية وتأثيرات في مجال القيم والسلوك
وإيجاد الدافع الذاتي للعمل والإبداع وتهيئة الإنسان بشكل عام لأداء واجب الخلافة
ومهمة إعمار الأرض.
ولكن
إلى جانب ذلك فهي مشكلة تتعلق بتهيئة وحشد موارد مالية مادية فيما يتعلق بتوفير
الأراضي ومواد البناء والتمويل والضمانات والاستشارات، إلى جانب بعض القضايا
المتعلقة ببيئة ومناخ الاستثمار والإطار القانوني السائد.
ولحسن
الحظ وفيما يختص بالتحـرك الدولي لمعالجة قضايا بعينها (ومنها الإسكان) في مجتمعات
مختلفة، فإن الأيدلوجية الاقتصادية الغالبة وهي عولمة الاقتصاد وتحرير التجارة
تسهم في تمهيد الأرضية المناسبة لإمكانية هذا التعاون الدولي وفق مختلف الأساليب
والصيغ، كذلك فإن ضيق مجالات الاستثمار في بعض الدول التي تتمتع نسبياً بفائض في
مواردها المالية، قد يدفعها إلى استكشاف فرص الاستثمار المتوفرة في دول أخرى
ومجالات مختلفة منها مجال الإسكان، كذلك فإن تنويع مجالات الاستثمار وخاصة للبنوك
الإسلامية قد يدفعها إلى تمويل الإسكان في كثير من الدول الإسلامية حتى تتجاوز
صيغة المرابحة إلى صيغ أخرى أكثر رحابة في تمويل عمليات الإسكان.
كذلك
فإن الاتجاه نحو توريق الاستثمارات في مجال الإسكان وتداولها بين عدد غير محدود
وغير محصور في دول بعينها، مع وجود آلية وضمانات لاستخدامها في غرضها الأساسي وهو
إقامة المساكن، قد تكون فرصة جديدة لتنويع مصادر التمويل وكذلك تنويع مصادر
الاستخدام على مستوى دولي.
لقد
نجحت بعض التجارب القطرية في عدد من الدول الإسلامية في تحقيق إسهامات ينظر إليها
بعين التقدير في مجال تمويل الإسكان القائم على أسس تجارية بحتة، والمطلوب باختصار
أن نتوسع في هذا التجارب ونحاول تعميمها ومد نطاقها لتجاوز القطرية إلى آفاق أوسع
تشمل مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
أولاً:
نطاق وإطار مشكلة الإسكان في العالم الإسلامي
بالرغم
من عدم توفر إحصاءات محددة مجمعة على مستوى العالم الإسلامي تدل على حجم العجز في
مجال الإسكان، إلا أن المؤشرات تدل على أتساع الفجوة بين الحاجة إلى المأوى وبين
توفيره، ناهيك عن أي محاولة لتقييم نوع السكن والخدمات المتوفرة والبيئة المحيطة،
إلا أننا سوف نورد بعض المعلومات والإحصاءات المتفرقة التي تصلح كشواهد وكمؤشرات
عامة يمكن القياس عليها للخروج بتصور محدد حول حجم ونطاق مشكلة الإسكان في العالم
الإسلامي.
تشير
الإحصاءات إلى أن سكـان العالم الإسلامي يقدرون بحوالي 1.017 مليـار نسمة، وتدل
إحصاءات أخرى ومجموعة شواهد إلى أن حوالي 45% من هـذا العدد يفتقر إلى مجرد المأوى
تملكاً أو تأجيراً، وذلك بغض النظر عن نوعية سكن من يملكون المأوى حيث يفتقر أكثر
من 60% من المساكن إلى أبسط قواعد السكن الصحي والمرافق الأساسية بل هي مجرد أكواخ
بالية.
في
الدول الأفريقية الإسلامية يسكن 60% من السكان في مستوطنات عشوائية في داكار ولاغوس ومالي. وفي المغـرب فإن هذه المستوطنات العشوائية تنمو
بمعدل 3 أضعاف النمو الكلي لسكان الحضـر. تقدر الحاجـة إلى السكـن في أفريقيا
المسلمة في المستقبل بأكثـر من 10 مليون وحدة سنوياً.
في
الهند هناك حوالي (23) مليون أسرة ((وليس فرد)) بلا مأوى، ويبلغ العجز السنوي
حوالي 29 مليون وحدة سكنية وحتى الوحدات
السكنية المتوفرة فإن حوالي 48% منها ذات غرفة واحدة.
يقدر
متوسط دخل الفرد في أكثر من 16 دولة مسلمة في أفريقيا دون 370 دولار سنوياً، الأمر
الذي يستحيل معه تملك سكن بالقدرات الذاتية.
هذا
المؤشرات الإحصائية ذات الدلالة العامة إذا أضفنا إليها بعض الشواهد التي تؤثر على
نمو قطاع الإسكان مستقبلاً في العالم الإسلامي تجعل الصورة أكثر قتامة، ومن تلك الشواهد:-
-
إن مخصصات الموارد لقطاع الإسكان في
كثير من الدول الإسلامية لم تكن غير كافية وحسب وإنما انخفضت انخفاضاً حقيقياً
وحسب إحصاءات البنك الدولي فإن نصيب أسباب الراحة السكنية والضمان الاجتماعي
والرفاهية الاجتماعية (مجتمعين) لم تزد عن 3.9% من الإنفاق الكلي.
-
هناك صعوبة بالغة في توفير المكون
الأجنبي لشراء مواد البناء لضعف عائد الصادرات ولوجود أولويات أخرى أكثر إلحاحاً.
-
التضخم الجامح الذي تعاني منه اقتصاديات
كثير من الدول الإسلامية رفع من أسعار الأراضي ومواد البناء مما قلل من إمكانيـة
التوسع في الإسكان سواء من قبل الحكومات أو الأفراد.
-
إن نسبة الزيادة في المباني والمساكن
تتوجه أساساً نحو توفير مساكن مرفهة للطبقات القادرة ذات عدد أفراد الأسرة الأقل،
ويضعف إن لم ينعدم الاتجاه نحو الإسكان الجماعي والمساكن المتوسطة مما يفاقم من حدة المشكلة.
-
أثبتت إحصاءات البنك الدولي أن الدعم
الموجه للإسكان في البلدان النامية عجز عن الوصـول في معظمـه إلى المحتاجين، وقـد
بلغت النسبـة المئوية للـدعم الذي يصـل إلى الأســر ذات الدخـل دون المتـوسط كمـا
يلي:-
o
جنوب آسيا 10%
o
أفريقيا جنوب الصحراء 19%
o
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 28%
o
شرق آسيا 32%
-
تشير الإحصاءات أن دولة مثل الهند تنفق
فقط نسبة2% من ناتجها
القومي على الإسكان، وهي نسبة مشابهة بدرجة ما لإنفاق كثير من الدول الإسلامية على
الإسكان.
أذن
واقع الحال يدل على وجود أزمة حقيقية ويدل على اتساع الفجوة الإسكانية وعلى تعمق
المشكلات الأخرى المتصلة بمجال السكن في كثير من الدول الإسلامية، كذلك فإن الواقع
يدل أن الإمكانات الخاصة بتلك الدول تعجز عن توفير التمويل اللازم لتدارك الأمر،
وأن المعونات الدولية والمحلية لم تعد ذات تأثير يذكر.
بالطبع
يمكن القول بأن المجال الفعال المتاح هو القطاع الخاص عبر مؤسسات التمويل خاصة
الإسلامية منها، ولكن قبل تناول هذا التوجه بتفصيل هناك مشكلات أساسية وحقيقية
تواجه تمويل القطاع الخاص ككل ينبغي الإشارة إليها وذلك عل النحو الذي سوف يأتي في
(ثانياً).
ثانياً:
المشكلات التي تواجه التمويل المصرفي الإسلامي الدولي في مجال الإسكان
تظهر
مشكلات التمويل الأكثر حدة في البلدان الإسلامية الأقل نمواً والتي تتصف بمحدودية
الدخل الفردي، وهذه في حد ذاتها تمثل إحدى أهم المشكلات التي تواجه التمويل
المصرفي الإسلامي لعملية الإسكان، هذا إلى جانب مشكلات ومعوقات أخرى تتعلق بهيكل
الاقتصاد والجهاز المصرفي والأوضاع التشريعية والقانونية، وهيكلة الودائع في
البنوك الإسلامية، وسوف نشير باختصار إلى أهم تلك المشكلات وذلك على النحو
التالي:-
إن
إيجاد بيئة متطورة لمؤسسات التوسط في التمويل الإسكاني يرتبط بالتطور العام في
الهياكل المصرفية والمالية والاقتصاد الكلي بصفة عامة. وتوجد في كثير من البلدان
الإسلامية أشكال تقليدية لأجهزة التوسط المالي من مصارف تجارية وصناديق ادخار
بريدية وشركات تأمين وشركات مقاولات وبناء، وبصورة أقل فاعلية أسواق مالية، إلا
أنها لم تتطور بالشكل الملائم وظل متوسط التوسط المالي وحشد المدخرات بصفة عامة
منخفضاً، ولم تتطور بالشكل الملائم لإيجاد بيئة إيجابية تهتم بتمويل مختلف الأنشطة
خاصة قطاع الإسكان.
على
الرغم
من أن الطلب المحتمل يأتي من أصحاب الدخول المنخفضة إلا أنه ومن وجهة النظر
المصرفية فإنه لا بد وقبل تقديم التمويل اللازم من التأكد من القدرة على استرداد
تكلفة التمويل في العقود التي تسمح بذلك، وطلب الضمانات والكفالات اللازمة من رهونات ونحوها، وهي متطلبات لا يستطيع أصحاب الدخول المنخفضة
الوفاء بها بالشكل الذي يطلبه الممولون عادة، كذلك فإن الجهات المانحة للتمويل قد
تشك في قدرة المتمول على الوفاء بالتزاماته وتسديد الأقســاط إذا كان يحتاج
للتمويل لأغراض استهلاكية ولا يقدر على التوفير من دخله المنخفض أساساً.
باختصار
فإن محدودية دخل فئات كبيرة من طالبي التمويل تشكل إحدى المعوقات الأساسية لتوجه
المصارف الإسلامية نحو تمويل الإسكان، الأمر الذي يتطلب حلولاً تتطلب تدخل جهات
محلية أو حكومية أو صناديق اجتماعية لتقديم الضمانات المطلوبة للجهات الممولة،
وتطمئنها على قدرتها على استرداد أصل التمويل وتحقيق الأرباح المتوقعة.
أشرنا
سابقاً إلى نسبة التضخم المرتفعة في كثير من الدول الإسلامية التي توجد بها عجز في
الوحدات السكنية المطلوبة، وسوف يكون لهذا التضخم انعكاسه على حصول المردود
المرتقب في عمليات المرابحة والبيع بالأجل والاستصناع.
قد
يرى البعض أنه يمكن تجاوز هذا المشكل باستخدام صيغة المشاركة حيث يكون نصيب الجهة
الممولة مؤمناً ضد التضخم، إلا أن صيغة المشاركة نفسها لا تسلم من مخاطر البيئة
القانونية وانخفاض سعـر العملـة محلياً وحرية تحويل رأس المال والأرباح.
الوجه
الثاني لمشكلة التضخم التدني المتواصل لقيمة العملة المحلية في مواجهة العملات
القابلة للتحويل على المستوى الدولي ما لم توجد آلية لحساب الأرباح وتحويلها بشكل
يحفظ حقوق الجهة الممولة.
إن
الحاجة للتمويل لغرض بناء السكن هي حاجة تتطلب تمويلاً طويل الأجل، بينما هيكل
الودائع في كثير من البنوك الإسلامية يتصف بقصر الأجل، ولعدم وجود أسواق مالية
نشطة وفعالة تسهم في تحويل تلك الاستثمارات طويلة الأجل إلى استثمارات قصيرة الأجل،
فإن هذا الوضع سوف يربك قدرة البنك على ضبط توقعاته النقدية والتوفيق بين آجال
استحقاق المبالغ المستثمرة في تمويل الإسكان وبين آجال الودائع لديه.
من
المشكلات العملية التي سوف تواجه الفاعلية في تمويل الإسكان، عدم وجود آليات
وأجهزة واستعدادات تقنية لتمويل المساكن خارج المدن الرئيسية والعواصم، وهي جهات
تعاني من عجز واضح في الوحدات السكنية.
من
المعوقات المتوقعة عدم فهم أو اعتراف السلطات المحلية في كثير من الدول الإسلامية
بصيغ التمويل الإسلامي من مرابحة واستصناع وتأجير تمويلي وتشغيلي …الخ والأثر
المباشر لعدم الفهم أو الاعتراف وجود ازدواجية في رسوم التسجيل وفي الضرائب وعند
الحاجة للتقاضي.
من
المشكلات التي صادفت الكثير من مؤسسات التمويل الإسلامية البيئة القانونية التي
تعرقل تملك البنوك للعقارات ورهنها وتأجيرها وإعادة بيعها مما يقضى على مختلف
أشكال الضمانات المطلوبة، ويقلل من استخدام صيغ التأجير المنتهي بالتمليك
والمشاركة ونحوها.
يضاف
إلى المشكلات المذكورة عدد من المشكلات الأخرى المتعلقة بتوفر إمكانية التأمين
التعاوني، وعدم وجود آلية لتحديد أسعار التأجير والاستصناع والاعتماد على المؤشرات
الربوية، بالإضافة إلى مشاكل التوقف عن السداد وعدم القدرة على فرض غرامات
التأخير.
بالطبع
هذه المشكلات لا تقف حائلاً أبدياً دون التوسع في تمويل الإسكان وبذل المحاولات
اللازمة لتخطيها وتجاوزها طالما أن هناك فرصة حقيقية لتحقيق أرباح وضمان مصالح
مشتركة لجميع الأطراف، وطالما كانت هناك قناعات بحوافز ومزايا تمويل الإسكان في
البلدان الإسلامية على النحو الذي سوف يرد في (ثالثاً).
ثالثاً:
محفزات تمويل المصارف الإسلامية للإسكان على مستوى دولي
هناك
عدة ظروف وعوامل إيجابية تدعو إلى توجه جديد وعاجل للمصارف الإسلامية للاستثمار في
تمويل الإسكان في الدول الإسلامية، منها:-
إن
تغطية حاجة أساسية من احتياجات المجتمع الإسلامي يشكل في حد ذاته انحيازاً لأهداف
الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي، وللشعارات التي طرحتها البنوك الإسلامية
باعتبارها بنوك تنمية وإعمار تسهم - في إطار سعيها للربحية - في تلبية الاحتياجات
الملحة لسواد المسلمين، وهو ليس بهدف ترفيهي ولكنه من صميم آليات البنوك الإسلامية
التي بموجبها وجدت تعاطفاً واسعاً ومساندة من المشرع في بعض الدول الإسلامية،
ودعماً من السلطات النقدية.
مما
يسهل تمويل الإسكان وجود عدة صيغ إسلامية ملائمة منها الاستصناع والتأجير المنتهي
بالتمليك والمشاركة المتناقصة بالإضافة إلى صيغ البيع بأنواعها، الأمر الذي يوجد
أرضية ممهدة لانطلاق مثل هذا النوع من التمويل، فضلاً عن ذلك فإنه يتيح الفرصة
للبنوك الإسلامية للخروج عن صيغة المرابحة - رغم إمكانية استخدامها - وتجاوز
الانتقادات الموجهة لها بهذا الخصوص.
لقد
اتجهت بعض البنوك الإسلامية فيما مضى إلى أسواق السلع الدولية وإلى أسواق جنوب شرق
آسيا وإلى أسواق الأسهم العالمية للاستثمار فائض سيولتها رغم المخاطر الكبيرة التي
تكتنف تلك الأسواق، ولقد وقعت بالفعل خسائر كبيرة لبعضها، هذا يدل على التالي:-
-
وجود موارد تبحث عن فرص ملائمة
للاستثمار
-
تم استثمار المتوفر في تلك الموارد في
استثمارات عالية المخاطـر
-
هناك حاجة ماسة لتنويع الاستثمار
قطاعياً وجغرافياً
هذا
الواقع يحفز الاتجاه نحو تمويل الإسكان في الدول الإسلامية باعتبار توفر الموارد
والرغبة في التنويع ولإمكانية تقليل المخاطر بأكثر مما هو موجود في الاستثمارات
البديلة.
تشير
كل الحالات التطبيقية التي عرفت في أكثر من تجمع مماثل والصادرة عن بنوك متخصصة في
تمويل الإسكان أن هذا المجال يتمتع بارتفاع درجة الربحية في مختلف أشكال التمويل
والاستثمار الممكن استخدامها، وأنه إذا ما تم إحكام الضمانات وانتظم السداد فإنه
مجال مربح للغاية، وأعتقد أن البنوك الإسلامية يمكنها الاستفادة من ارتفاع الربحية
الموجودة في هذا القطاع حتى تتجاوز مشكلة تدني عائداتها وتدني عائد الإيداعات
ومحافظها الاستثمارية المربوطة (باللايبور) عادة.
هناك
مجموعات مصرفية إسلامية كبيرة تنتشر فروعها في كثير من الدول الإسلامية، كما أن
هناك بنوك أخرى ذات ملكية مشتركة، هذا الواقع يتيح المجال واسعاً لأن تسعى البنوك
الإسلامية خاصة المجوعات الكبيرة منها لتصميم آلية لتمويل جماعي ودولي للإسكان
مستفيدة من مزايا وجود فروع لها معترف بها في القطر المعين يتكفل بالدراسة
والمتابعة واستخلاص الحقوق. وأعتقد أن هذه أكبر مزية يمكن استثمارها للتعـاون
الدولي في مجال الإسكان.
رابعاً:
أساليب وآليات التعاون الدولي بين البنوك الإسلامية في مجال الإسكان
لا
يمكن حصر جميع الآليات والأساليب التي يمكن عبرها حشد الموارد والمدخرات وتوجيهها
نحو الإسكان، ولكن سوف نهتم بالأساليب التي تعبر عن جهد مشترك بين أكثر من مؤسسة
مالية إسلامية، والآليات غير المحصورة في نطاق قطر بعينه كالشهادات القابلة
للتداول.
وقبل
الإشارة إلى المقترحات بهذا الشأن لا بد التأكيد على بعض النقاط الجوهرية وهي:-
-
إن الاتجاه العام يجب أن ينصرف نحو
تمويل الإسكان الجماعي لأنه هو الذي يسد الحاجة ويخدم القضية التنموية ويستصحب الأبعاد الاجتماعية من تعليم وصحة وبيئة، بالإضافة
إلى أن كبر حجم التمويل الموجه له يبرر المشاركة الدولية في تمويله.
-
إن تمويل السكن الفردي المتوسط الحال
يحقق كذلك الأغراض المشار إليها أعلاه، فضلاً عن أنه يطمئن الممولين على قدرة
العملاء على الوفاء بالتزاماتهم تجاه البنوك الممولة.
-
تمويل الإسكان للفئات والطبقات محدودة
الدخل (أو الفقيرة) يستحسن أن تكون العلاقة التعاقدية فيه بين الجهة الممولة من
طرف والحكومات أو البلديات أو المؤسسات الاجتماعية أو المؤسسات الدولية الداعمة من
طرف آخر، حتى يمكن ترتيب آمر الضمانات وتسديد الأقساط دون تخوف من جانب الجهات
الممولة.
أما
إذا ما حاولنا استعراض الوسائل الدولية أو الجماعية لتمويل الإسكان في الدول
الإسلامية فيمكن الاشارة إلى المقترحات التالية:-
محفظة
البنوك الإسلامية لتمويل عمليات الإسكان.
التجمعات
المصرفية (كونسورتيوم) لتمويل مجمعات ومساكن بعينها.
التعاون
الثنائي والثلاثي بين البنوك والمؤسسات ذات العـلاقة.
توريق
الاستثمارات في مجال الإسكان على أساس:-
-
شهادات الإسكان
-
شهادات التأجير
-
شهادات الاستصناع
وسوف
نشير وباختصار إلى أهم المعالم الخاصة بكل مقترح على النحو التالي:-
1
- محفظة البنوك الإسلامية لتمويل الإسكان
هنـاك
تجارب عـدة لمحافظ استثمارية لتمويل نشاط بعينه منها((محفظة البنوك الإسلامية
لتمويل المواسم الزراعية في السودان)) ومنها: ((محفظة البنوك الإسلامية لتمويل
التجارة)) و(صندوق الحصص الاستثمارية) بالبنك الإسلامي للتنمية، ولقد نجحت هذه
المحافظ والصناديق نجاحاً مقدراً وأوجدت خبرة لا بأس بها يمكن الإفادة منها في
مجال التمويل الإسكاني.
والمقترح
يتخلص في التالي:-
-
غرض المحفظة: تجميع مدخرات المؤسسات
المالية الإسلامية وبنوك الإسكان واستثمارها في مشروعات إسكانية في عدد من الدول
الإسلامية.
-
موارد المحفظة: حصيلة الإصدار الأساسي
حيث يتم تحديد عدد الوحدات وقيمة كل وحدة ويكون الاشتراك مقصوراً على المؤسسات
المالية الإسلامية وبنوك الإسكان الإصدارات اللاحقة. الأرباح غير الموزعة.
-
إدارة المحفظة: يتولى البنك الإسلامي
للتنمية، أو أي بنك آخر، أو لجنة من البنوك إدارة المحفظة وفق الأسس الفنية
المتعارف عليها.
وبالطبع
إذا ما وضع هذا الاقتراح موضع التنفيذ فإنه سيتم تحديد مدة المحفظة وتسعير
الشهادات وأسس التنازل عن الوحدات وإمكانية الإدراج في الأسواق المالية وأسس توزيع
الأرباح.
إلا
أن العامل الحاسم في هذا الصندوق هو توجهه وفق أسس تجارية((معيار الربح والخسارة))
لتمويل الإنشاءات والمجمعات الإسكانية، في مختلف مراحل العملية من شراء أراضي أو
توريد مواد خام أو التكفل بتمويل التنفيذ، وذلك على نطاق العالم الإسلامي.
2
- التجمعات المصرفية (كونسورتيوم)
يفرق
هذا الشكل من التمويل عن المحفظة في أن المحفظة تتولى عدة مشروعات طوال مدة عمرها
الطويل نسبياً، ولكن في نموذج التجمعات المصرفية يقوم أحد البنوك (البنك القائد أو
المدير) بدراسة مشروع إسكاني بعينه في محل ما، ومن ثم دعوة عدد من البنوك للمشاركة
في تمويل المشروع المعين، ومن ثم اقتسام العوائد حسب نسبة رأسمال كل بنك في
العمليـة.
وقد
يحصل البنك القائد على حصة من الأرباح بصفته مديراً للعملية أو قد يتنازل عن تلك
الحصة.
3
- التعاون الثنائي
يمكن
أن تقوم بعض البنوك الإٍسلامية منفردة وبالتعاون مع جهات محلية في الدول ذات العجز
في الوحدات السكنية بتمويل مشروعات بعينها بعد دراسة جدواها الاقتصادية
والاجتماعية، وهو أسلوب أكثر مرونة وأقل تعقيدات من الناحية الإجرائية، وهو أسلوب
اتبعته مؤسسات دولية وإقليمية لدعم قطاع الإسكان في عدد من الدول الإسلامية.
4
- توريق الاستثمارات
هناك
كما يعرف الجميع سوق سندات الرهن العقارية Secondary Mortgage Market وهي سوق يتم فيها بيع وشراء القروض السكنية والعقارية المؤمنة
برهن عقاري، وذلك بعد أن يتم إصدار هذه القروض من قبل المؤسسات الممارسة لهذا
النوع من النشاط.
ولقد
نجحت هذه التجربة في الولايات المتحدة وانتشرت في معظم أنحاء العالم، ولقد كان من
عوامل نجاح هذه التجربة وجود المقومات الأساسية وهي:-
-
وجود سيولة بقدر معقول للاستثمار في
قطاع الإسكان
-
وجود مؤسسات إصدار ومؤسسات في السوق
الثانوي تسهل التعامل في هذه السندات
-
تطوير التشريعات وأدوات الرقابة والإعلام
والتعريف بالسوق وإجراءاته وأدواته
إن
أحكام الشريعة الإسلامية لا تسمح ببيع وتدوال القروض فضلاً عن إصدارها وفق آلية
سعر الفائدة، إلا أن ذلك لا يمنع من أن تقوم مؤسسات تستفيد من الخبرة التي وفرتها
سوق سندات الرهون العقارية استنادا إلى صيغ إسلامية
شرعية
وحتى
تكون الشهادات والأوراق المالية المصدرة للتمويل السكاني ذات جذب يمكن إضافة
الكثير من المزايا وجعلها مرنة وتخدم أغراضاً مختلفة وذلك حتى تغري حاملها
بالاحتفاظ بها والبائع بشرائها.
ويمكن
في هذا العدد الإشارة إلى تجربة البنك العقاري السوداني حيث جاء قام البنك العقاري
السوداني بتجربة ناجحة في حشد المدخرات وذلك لعدة أسباب منها.
1-
جعل المدخرات في حالة سيولة أي السماح
بالسحب منها عند الحاجة.
2-
استخدامها كضمانات للتسليف عند الحاجة.
3-
تزويد أصحاب الودائع باحتياجاتهـم قصيرة
الأجل من مواد البناء.
وإذا
أردنا أن نتقدم خطوات أكثر عملية في هذا الاتجاه فيمكن اقتراح عدد من الشهادات التي
يمكن إصدارها وتداولها وتملك السكن عبرها ومنها:-
1
- شهادات التأجير
يقوم
البنك أو البنوك الإسلامية وبناء على رغبة جهة ما بتمويل مجمع سكني محدد مثلاً، تم
تأجيره على تلك الجهة مقابل أجرة محددة أو متغيرة لفترة محددة تؤول في نهايتها
ملكية المجمع إلى تلك الجهة.
ثم
يقوم البنك بإصدار شهادات كحصص في ملكية المجمع الذي تؤول ملكيته جزئياً أو
بالكامل لحاملي تلك الشهادات ويصبح دوره في حالة بيع الشهادات بمثابة مدير بعمولة
للعملية، وبالطبع فإن حاملي شهادات التأجير تسري عليهم التزامات البنك تجاه الجهة
طالبة العملية.
فإذا
نظرنا للناحية الشرعية فإن العملية بدأت بعملية إنشاء مبنى ثم تأجيره للغير، ورغم
أن ملكية المنفعة آلت إلى طرف ثالث إلا أن ملكية العين وهي ملكية رقبة ظلت في يد
المالك الأصلي ولا يحول تأجيره للمنفعة دون حقه في التصرف فيه بمختلف أنواع
التصرفات الشرعية الممكنة، ومنها بيعه لآخرين أو مشاركتهم فيه بشرط علمهم بمختلف
التعاقدات التي تمت حوله، وموافقتهم على ذلك واتفاقهم على كيفية وضعية حقوقهم
اللاحقة في العين طوال فترة تأجيرها.
فإذا
ما اعتبرنا حاملي شهادات الإيجار شركاء في ملكية المبنى كل بحسب حصته فيه، فلا
يوجد مانع شرعي من أن يتصرف كل حامل شهادة في حصته بالبيع لآخرين يحلون محله في
ملكية حصته من المبنى وبذلك يمكن تداول هذه الحصص بين المدخرين والمشترين.
2
- شهادات الاستصناع
تنشأ
هذه الشهادات عندما تطلب جهة ما من البنك الإسلامي تمويل إنشاء مجمع عن طريق عقد الاستصناع،
ويتفـق على تكلفة العملية بمبلغ 15 مليون دولار مثلاً، ثم يقوم البنك بالاتفاق مع
شركة مقاولات لتنفيذ المجمع مقابل 10 مليون دولار مثلاً، ولأن البنك قد لا يملك
مبلغ العملية كاملاً فإنه يقوم بإصدار شهادات استصناع ولتكن مليون شهادة كل شهادة
بمبلغ 10 دولار، ويقتسـم أصحاب هذه الشهادات أرباح العملية البالغـة 5 مليون دولار
بعد خصم مقابل إدارة العملية لصالح البنك. وبالطبع فإن البنك سوف يحتفظ في محفظته
بجانب من هذه الشهادات، وقد يتعهد بإعادة شراء هذه الشهادات من أصحابها بعد وضع
أسس للتخارج.
3
- شهادات الإسكان
ويقصد
بها مثل شهادة الإسكان التي أصدرتها إدارة الإسكان والشراكة العامة بتركيا حيث يتم
إصدار سندات مقابل مشروع جماعي محدد للسكن، والسند الواحد يغطيه متر مربع واحد من
شقة في مشروع معين وتصدر هذه السندات لمدة (5) سنوات لحاملها وقابلة للتداول في
السوق الثانوية.
وفيما
يلي أهم الملامح لشهادات الإسكان:
أصدرت
الشهادات بواسطة " إدارة الإسكان الجمـاعي والمشاركة الشعبيـة " وتمثل
الشهادة الواحدة الحق في ملكية متر مربع واحد من شقة في المباني السكنية المبنية
الآن في منطقة هالكالي (ضواحي استانبول).
والشهادت
مصـدرة (لحاملها) ويمكن تداولها في الأسواق الثانوية.
-
تتمتع السندات بقيمة مبدئية (إصدارية)، يتم إعادة حسابها على أساس دوري شهري بواسطة
الإدارة. وتعلن القيمة للجميع في العاشر من كل شهر، ويعتبر السعر المعلن ساري
المفعول من اليوم العاشر للشهر الجـاري إلى اليوم العاشـر من الشهر الذي يليـه.
ويبنى تقـدير القيمة (النقدية) المستحقة على ظـروف العرض والطلب (التكلفة) السائدة
في قطاع التشييد (وليس على ظروف العرض والطلب في السـوق لسندات الإسكان) وهكذا
يراد من الثمن الشهري المعلن أن يعكس الظروف الحقيقيـة للسوق وأن يشكل نوعاً
" من السعر المرجعي " للتعامل التجاري في السوق الثانوية.
-
ويتم صرف الشهادات إلى نقد بواسطة
البنوك المصرح لها عند الطلب بمقتضى أخر سعر معلن للسند.
-
وتتعهد الإدارة بإكمال بناء الوحدات
السكنية في غضون (5) سنوات عقب إصدار هذه الشهادات.
-
وعلى حاملي السندات الراغبين في شراء
شقة من هذه المباني، أن يجمعوا عدداً كافياً من السندات (حالياً 30 سنداً) مقابلة
للدفع المبدئي، وأن يدفعوا الحساب المتبقي نقداً أو بواسطة سندات تعادل المبلغ
المتبقي.
تمثل
السندات التي أصدرت تملك متر واحد مربع (عن كل سند) من شقـة تقـدر بأدنى الأثمان [من
حيث الموقع ] وأتعاب إضافية تبلغ 30%، تدفع إذا ما طلب حامل السندات شقة بخلاف
الشقة المقدرة بأدنى الأثمان. وهكذا فإن حاملي السندات، منذ البدء، لا يعرفون على
وجه التحـديد أي شقـة سوف يشترون ولكنهم يعرفون أنهم سوف يشترون شقة مقدرة بأدنى
الأثمان، وينبغي أن يدفع فوقها أتعاب إضافية، في حالة شراء شقة أفضل.
تتكفل
الإدارة بتسليم الشقة في ظرف سنة من تقديم طلب الشراء. ويمكن لحاملي الأسهم، الذين
لم يتقدموا بطلب الشراء في ظرف فترة البيع التي أعلنت عنها الإدارة، أن يستخدموا
سنداتهم في ما بعد، أما في نفس مشروع الإسكان الجماعي، أو في مشروع آخر، شريطة أن
يساووا الفـروقات الناجمة في الأسعار. وأما عن تلك
السندات التي لم تستخدم في شراء شقة في نهاية فترة المشـروع [ أي خمس سنوات ] فـإن
الحصيلة (القيمة النقدية التي بلغها السند في نهاية الفترة) فتحتفظ بها الإدارة
وتصرف لحامل السندات عند تقديمه لطلبه التالي.
وفي
نفس الوقت فإن الحصيلة لا تكسب عائداً. وهكذا فإن حاملي الشهادات لا يعرفون في
البداية أي الشقق هي التي قاموا بشرائها، غير أنهم يعرفون أنها من الشقق ذات
القيمة - الأدنى - والتي يجب دفع مبالغ مالية إضافية إذا ما طلب تملك شقة أفضل.
ويوضح
الشكل التالي الآلية المشار إليها آنفاً:-
أعتقد
أنه من المفيد أن نبدأ التحليل الشرعي للشهادات الإسكان وفق التصور الذي تم بيانه
سابقاً انطلاقا من بعض الآراء التي تناولت الموضوع بشكل مباشر وهي:-
1-
فتوى ندوة البركة السادسة:
السؤال:
إذا اشتريت أرضاً بقصد بناء عمارات للسكن عليها فاشترى بعض الأشخاص حصة فيها كمتر
مثلاً بقصد أن يتحصل على شقة للسكن عند إتمامها واستكمال ما يلزم من الأمتار أو
الحصص فهل يجوز ذلك شرعاً ؟
الفتوى:
رأى المشاركون أن هذه العملية بهذا الوصف ليس فيها ما يمنع الإقدام عليها وهي
سائغة شرعاً.
2-
البند الثامن من توصيات الندوة الدولية للأساليب المصرفية الإسلامية في تمويل
الإسكان، الإسهام في محفظة سكنية بالمشاركة أو المضاربة:
تقوم
هذه الصيغة على إسهام الراغب في الحصول على السكن بشراء حصص معينة في محفظة مخصصة
لتمويل المساكن على أساس المشاركة أو على أساس شركة المضاربة، بحيث يحق له عندئذ
الحصول على المسكن الذي تم بناؤه من المؤسسة بتكلفة قليلة بعد أن يطالب المستفيد
بتسديد بقية ما يتطلبه بناء المسكن من مبالغ، أو أن يعتبر مستأجراً للحصة الباقية
على ملك المؤسسة (مشاركة في الملك) وتتناقص هذه الشركة حسبما سبق في الشركة
المتناقصة. مع مراعاة كون حصص المساهم شائعة، وعدم تداولها إلا بعد وجود أعيان
ومنافع، وأن يكون لها نصيب من الربح أو الخسارة.
3-
آراء اجتماع المائدة المستديرة ببيت البركة التركي للتمويل:
تمَّ
مناقشة إصدار شهادات الإسكان سلفاً بواسطة مجموعة من العلماء في اجتماع مائدة
مستديرة قام بتنظيمه بيت البركة التركي للتمويل. ولقد توصل العلماء بالإجماع لقرار
مفاده أن شراء هذه الشهادات مسموح به حسب نظام البنوك غير الربوية، إلا أن بعض
العلماء تردد فيما يتعلق بجواز تداول هذه الشهادات في معاملات الأسواق الثانـوية
التجارية تخوفاً من أن يؤدى ذلك إلى تحويل الهدف الأساسي وهو (ملكية المنزل) إلى
اتجار صريح في السندات.
ولقد
برزت ثلاثة آراء من خلال المناقشة نوردها فيما يلي:-
الرأي
القانوني والذي تقـدم به البروفيسير حياتن كارمان كلية علوم الدين
جامعة مارمادا - اسطنبول:-
وحسب
رأى بروفيسير كارمان فإن
شهادات (الإسكان) لا تمثل أي نوع من أنواع العقود المعروفة فقهياً ولهذا يجب
اعتبارها نوعاً جديداً من أنواع العقود، وعليه تكون الخطوة التالية هي تقييم مدى
مشابهة السمات الأساسية لهذا العقد مع متطلبات العقود الأخرى المقبولة.
وبإجراء
مثل هـذه المقارنة يتضح أن هذا العقد (شهادات الإسكان) لا يحتوى على أي عنصر من
عناصر الفساد (وهو ما يجعل العقد قانوني) وهذا ما يجعله مقبولاً من الناحية
القانونية، هذا بالإضافة إلى أنه لا يوجد اعتراض على تداول هذه الشهادات في
الأسواق.
الرأي
القانوني الذي أدلى به بروفيسير فهارانين
عطار كلية علوم الدين- جامعة مارامار - اسطنبول:-
إن
شهادات الإسكان لا تمثل نوعاً جديداً من العقود في الفقه بل العكس من ذلك تقع في
مجال عقود البيع والشراء.
فلقد
تم إصدار هذه الشهادات (لحامله) وهذا يعني أنه وبتسليم الشهادة للمشترى فإن عملية
البيع والشراء قد اكتملت كما إن عملية تبادل الشهادات في الأسواق القانونية عملية
مقبولة من الناحية القانونية.
الرأي
القانوني الذي تقدم به البروفيسير عبد العزيز بانيدر المستشار القانوني لبيت البركة التركي للتمويل وحسب
رأيه فإن شهادات الإسكان يمكن تصنفيها تحت عقود (الإستصناع)
المعروفة وهي من العقود المقبولة من الناحية الفقهية.
وهذه
الشهادات ما هي إلا مطالبة بمساكن تحت التشييد وحيث أن بعض هذه المساكن قد شارفت
على الاكتمال فإن هذا يدل على أن هذه الأوراق تسندها ممتلكات حقيقية كما أن تداول
هذه الشهادات في الأسواق القانونية مسموح به.
وفي
السنوات الأخيرة فإن الحكومة التركية عمدت وما زالت إلى الاعتماد على الاقتراض
المحلي لأسباب متعددة من أهمها المعدلات العالية في نسبة اقتـراض القطاع العام وفي
ظل نسبة عالية للتضخم. وهكذا فإن استصدار هذه الشهادات قد يكون مؤشراً لإغراض خفية
لاستغلالها كوسيلة جديدة للاقتراض، وليس للغرض الأساسي منها وهو تمليك المنازل،
وهكذا تزيد من التضخم المالي الموجود حالياً.وهكذا وبالرغم من أن تداول هذه
الشهادات الثانوية لا يتعارض مع القانون إلا أنه وبسبب التهديد المحتمل للمصلحة
العامة " مثـلاً زيادة نسبة التضخم المالي " فإن تداول هذه الشهادات في
الأسواق الثانوية يجب أن يٌمنع.
وتأييد
لفكرة البروفيسير بابندر فإن
ولفور أركال جامعة مارمارا
يبدي عدم موافقته للسماح بتداول هذه الشهادات في الأسواق الثانوية حيث أن ذلك من الممكن
أن يؤدى إلى الانحراف بها من غرضها الأساسي وهو تمليك المنـازل، إلى مجرد أتجار
صريح في الأوراق المالية.
وكما
نلاحظ فإن الآراء السابقة تذهب بشكل عام إلى جواز إصدار شهادات الإسكان وحتى
التحفظات التي ذكرت على تداول هذه الشهادات إنما بٌنيت على محاذير اقتصادية وليست
محاذير شرعية، ولكن من الملاحظ أنه لم يتم التعمق في تكييف هذا النوع من الشهادات
على صيغ الاستثمار المعروفة وإنما بنى الحكم بصحة المعاملة على أساس خلوها من
الموانع الشرعية باعتبارها معاملة مستجدة.
وأعتقد
أنه لا بأس من محاولة تكييف العلاقات التعاقدية على الأسس والقواعد الشرعية فهل
يمكن اعتبار تملك هذه الشهادات نوع من البيع ؟ قد يرى البعض أنه شبيه بما يسمى (بيع
الغائب على الصلاة) وهذا النوع من البيع يجوز عند المالكية إذا تحقق فيه أمران:-
أ-
وصف السلعة بما يعين نوعها وجنسها.
ب-
اشتراط الخيار للمشترى إذا لم يجـد
السلعة كما وصفت يقول أبن رشد (وبيع
السلعة الغائبة على الصفة خارج مما نهى عن صلى الله عليه وسلم من بيع الغـرر
والبيع لازم إذا وجد الغائب على الصفة التي وصف بها، لأن الصفة تقوم مقام رؤية
الموصوف) وكذلك يرى الحنابلة جواز بيع
الغائب بشرط أن يضبط الصفات التي تضبطه وأن يعطى المشتري خيار الخلف في الصفة وهو نفسـه رأي الأحناف ولكـن إذا ما كيفنا هذه المعاملة على أساس أنها
بيع الصفة فإن الأمر يكون مقبولاً إذا كانت العملية تؤول حتماً في النهايـة إلى
تملك المسكن الموصوف صفة كاشفة. ولكن وكما ظهر في استعراض آلية عمل تلك الشهادات
أنه يمكن تداولها ويكتفى في هذه الحالة بالأرباح الرأسمالية.
وبالطبع
فإن الشافعية والحنابلة يمنعون بيع المبيع قبل قبضه، إلا أن الأحناف يستثنون
العقار من ذلك المنع، بينما يقصر المالكية المنع على الطعام وحده، فعلى رأى
الأحناف والمالكية يمكن تداول هذه الشهادات أيضاً.
كذلك
قد يرى البعض أن هذه المعاملة تعد سلماً لأن رأس المال فيها معجل والمبيع مؤجل
التسليم.
وتواجهنا
في حال اعتبار هذه العقد سلماً مشكلتان:-
-
أولهما: إن رأسمال السلم هنا يدفع بعضه
ويؤجل البعض الآخر ورأي جمهور الفقهاء من الأحناف والشافعية والحنابلة أنه يبطل
السلم فيما لم يقبض ويسـقط بحصته من المسلم فيه ويصح في الباقي بقسطه وكذلك يرى المالكية { أنه متى قبض البعض وأخر
البعض فسد لأنه دين بدين.
-
ثانيهما: إن اعتبار العقد عقد سلم يؤدى
إلى منع تداول هذه الشهادات وذلك لعدم صحة بيع المسلم فيه قبل قبضه.وأعتقد أن
التكييف الذي يعطى مرونة كافية لهذا النوع من التعامل ويجنبه المحاذير الشرعية اعتباره
عقد استصناع تكون فيه إدارة الإسكان الجماعي صانعاً، ومشترو الوحدات مستصنعين،
وكما نعلم فإنه يجوز أن يكون الثمن معجلاً أو مؤجلاً أو مقسطاً، ويصح فيه الاستصناع
الموازي ويمكن تداول عقوده بين المشترين قبل قبضه.
وفي
نظري أن التجربة يكمن تطويرها فقهياً وفنياً بإحداث بعض التعديلات التي تسمح بأن
تكون على أساس المشاركة المتناقصة، أو التأجير، أو على أساس محافظ الاستثمار
العقارية.
الخاتمة
استعرضنا
من خلال هذا البحث حجم العجز في الوحدات السكنية في العالم الإسلامي والظروف
الإسكانية بالغة السوء والتي تحتاج إلى جهود كبيرة وموارد ضخمة تعبأ وفق أسس وصيغ
إسلامية، كذلك أشرنا إلى المشكلات التي سوف تواجه التمويل المصرفي الإسلامي الدولي
في مجال الإسكان من تخلف أجهزة التوسط من هياكل ومؤسسات مالية ومصرفية، وتوجه
الطلب على المساكن والذي يأتي في معظمه من فئات ذات دخل محدود مما يوجد مشاكل
تتعلق بالضمانات والقدرة على الوفاء بالالتزامات، كما أشرنا إلى نسبة التضخم
المرتفعة في كثير من الدول الإسلامية كأحد المعوقات ذات التأثير السالب، وتطرقنا إلى
أن هيكل الودائع قصير الأجل في البنوك الإسلامية في غيبة أسواق مالية منتظمة ونشطة
يعجز عن تمويل احتياجات السكن ذات الأجل الطويل، وكذلك أشرنا إلى المعوقات
القانونية والتشريعية وغيرها من المعوقات المحتملة.
ثم
تعرضنا للمحفزات على قيام المصارف الإسلامية بتمويل الإسكان في الدول الإسلامية
وحصرناها في مناسبة هذا النوع من التمويل لأهداف الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي،
وفي وجود الصيغ الشرعية الملائمة، وأشرنا إلى الفرصة المتاحة لتنويع الاستثمار
جغرافياً وقطاعياً وللأرباح المرتفعة لقطاع الإسكان بعد توفر ضمانات
التسديد،
كما أن هذا النوع من الاستثمار يوفر بدائل استثمارية عن أسواق السلع والمعادن
وأسواق الأسهم العالمية وأسوق جنوب شرق آسيا ذات المخاطر العالية.
وفي
الجزء الأخير من ورقة العمل تعرضنا لأساليب وآليات البنوك الإسلامية في تمويل
الإسكان حيث شددنا على ضرورة الاتجاه نحو تمويل الإسكان الجماعي واقترحنا بعض
الصيغ والأساليب ومنها إنشاء محفظة البنــوك الإسلاميـة لتمـويل الإسكـان، وقيام
تمويل مصـرفي مجمع (كونسورتيوم)، والتعاون الثنائي
والثلاثي، وتوريق الاستثمارات في شكل شهادات تأجير واستصناع وشهادات إسكان.
حقوق النشر
© 2003 محفوظة للمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية
(1)
البنك الإسلامي للتنمية - التقرير
السنوي 96 - 1997م صفحة 330 – 331.
(2)
د. سعيد يحيى، الخيارات السكنية
لأفريقيا الإسلامية.
(3)
د. رحمة الله عبد الأحد،ورقة عمل [
الطرق المصرفية الإسلامية لتمويل الإسكان ] صفحة 2،1.
(4)
تقرير عن التنمية في العالم عام 1997م -
البنك الدولي صفحة 66 شكل (3 - 9).
(5)
جواد العناني، أهمية وفائد خلق سوق ثانوي للقروض السكنية التجربة الأمريكية، ضمن
إصدار التمويل الإسكاني في الوطن العربي - صفحة 315 وما بعدها.
(6)
عابدين سلامة، التمويل الإسكاني في البلدان
الإسلامية مع تركيز خاص على السودان - صفحة (7).
(7)
الجزيري الفقه على
المذاهب الأربعة - قسم المعاملات صفحة 214.
(8)
ابن رشد المقدمات ج 3 ص 212.
(9)
الشيرازي المهذب جزء 1 ص 263.
(10)
الكاساني - بدائع
الصنائع جزء 5 ص 163.
(11)
نزيه حماد - عقد السلم - فقه وتطبيقاته،
بحث غير منشور صفحة 18.
(12)
أبو الحسن المالكي، كفاية الطالب
الرباني جزء 2 صفحة 163.
(13)
مصطفى الزرقاء، عقد الاستصناع ومدى
أهميته في الاستثمارات المالية المعاصرة - صفحة 33.