السؤال: الرأي في السندات الادخارية التي تصدرها الحكومة، تصدر الحكومة هذه السندات لتشجع المواطنين على الادخار للتقاعد، ويحق لكل مواطن الاشتراك حسب القرار الحكومي الذي يحكم هذه السندات الادخارية، الحكومة حددت الحد الأقصى لمشاركة بـ 15000سنوياً؛ لتمنح الفرصة للمشاركة بالتساوي لكل المواطنين، الدولة أيضا قررت مكافأة المشترك تشجيعاً على الادخار بالمحافظة على مدخراتهم من التضخم، بإضافة مبلغ يعوض عن التضخم في حال حصوله، ويقرر مقدار التضخم كل 6 أشهر حسب مؤشر التضخم الذي يتغير كل 6 أشهر، المال المودع لا يمكن اعتباره قرضاً لانعدام هذه النية من الطرفين، بالإضافة لانعدام الزمن المحدد لاسترداد المبلغ الذي يمكن أن يكون في أي وقت، وليس هنالك تحديد مسبق لمبلغ المكافأة الذي ستصرفه الدولة للمشارك، والذي يعتمد على التضخم؛ تشجيعاً للادخار هبة من الحكومة للمواطن المشارك، وأيضاً تحديد الحكومة للمبلغ السنوي الذي يمكن للمواطن الاشتراك به يثبت نية الحكومة المعلنة لأن هذه السندات لتشجيع كل المواطنين على الادخار كفائدة موهوبة من الحكومة لكل مواطن، وأن المبلغ الممنوح هو هبة متوفرة من الحكومة لكل مواطن، هذا مشابه لما تفعله الشركات الخاصة للموظفين بإضافة مبلغ مماثل للمبلغ الذي يضعه الموظف في حساب تقاعده الخاص، والذي يحصل عليه الموظف فقط في حال مشاركته بمبلغ شهري، هذا أيضاً مشابه للضمان الاجتماعي الذي تموله الدولة بقسم منها بعد مشاركة المواطنين دون استثناء. الجواب: الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: الصيغة المذكورة في السؤال صيغة ربوية لأنها معاوضة نقد بنقد مع التفاضل والتأخير. وقول الأخ السائل إن نية القرض غير موجودة، ليس صحيحاً. لأن الحكومة تتصرف في المال لمصلحتها، وتلتزم بسداده عند الطلب مضافاً إليه معدل التضخم. فالحكومة تصبح بذلك مقترضة. والقرض معاملة ذات خصائص محددة؛ متى وجدت فهي قرض، ومتى قصد الطرفان هذه المعاملة فقد قصدا القرض، وليس العبرة بالأسماء والألفاظ. فالمشترك يقدم المال للحكومة لتتصرف فيه لمصلحتها وتلتزم بسداده مستقبلاً، وهذا هو القرض. فإذا انضم لذلك أي زيادة أو نقص مشروط دخل في الربا. ولا يلزم في القرض أن يكون لأجل، بل إن جمهور الفقهاء يرون عدم جواز تحديد أجل للقرض. فانعدام الأجل لا ينفي كون المعاملة قرضاً. وأنصح الأخ السائل بأن يتعاون مع إخوانه المسلمين لإنشاء صناديق ادخار إسلامية تغنيهم عن الوقوع في الربا، وإذا اجتهدوا في ذلك فسيعينهم الله تعالى ويسدد أعمالهم، والله تعالى يقول: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين" [العنكبوت:69]. الحكم في السندات الادخارية التي تصدرها بعض الدول؟ ففي الولايات المتحدة تصدر الحكومة هذه السندات لتشجيع المواطنين على الادخار الذي يستطيع الاستفادة، يجب أن يكون مواطن أمريكي الجنسية، وهنالك تحديد للمبلغ الممكن الاشتراك به سنوياً لتعطى الفرصة للجميع للاشتراك في هذا الصندوق الادخاري التقاعدي، الحكومة قد وعدت فقط بالمحافظة على هذا المال من نقص قيمته بالتضخم الذي يحصل بمرور الزمن لا أكثر ولا أقل، ففي حال عدم حصول تضخم فإن كمية المال تبقى على حالها، وهكذا إذا زاد التضخم زاد المال، وإذا نقص التضخم نقص المال. علماً أن الحكومة هي المسؤولة الأكبر عن التضخم، فمن العدل أن تعوض الحكومة عن هذا التضخم، وهي تعطي الفرصة لكل المواطنين للاشتراك، ليس هنالك أجل محدد، أو فوائد محددة كما هي الحال في السندات التقليدية، تخرج هذه السندات عن تعريف القروض الذي هو بأجل محدد وفائدة محددة، وخاصة أن الحكومة لم تحدد فائدة محددة لهذه السندات، أو مدة محددة يجب فيها إبقاء المال في هذه السندات كما في القروض، حيث يمكن سحب المال في أي وقت، وأيضاً تحديد مبلغ الاشتراك يتنافى مع نية الاقتراض، فقط المقترض يأخذ كل ما يستطع من أي شخص ليكفي حاجته دون تحديد، بالإضافة إلى أن الحكومة قالت إنها أصدرتها للتشجيع على الادخار فقط للمواطن حين تقاعده، وهي لا تعطيك أي شيء فوق معدل التضخم إن حصل، وهذا يحدد كل 6 أشهر. الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد : فهذه السندات حقيقتها أنها قروض؛ لأن الدولة تضمن رأس المال لمشتري السند، وكون الفائدة على هذه السندات غير محددة، أو أن مدة بقائها بيد المشتري غير مؤقتة بفترة معينة، أو أن المقصود منها التشجيع على الادخار، كل ذلك لا يخرجها عن كونها قرضاً، لأن حقيقة القرض: أنه دفع مالٍ ينتفع به ويرد بدله، وهذا التعريف ينطبق على السندات المذكورة، لأن آخذ المال متى ما ضمن قيمته للمعطي فهذا الأخذ يسمى قرضاً، فإذا شرط الدائن زيادة عند استرجاعه فهذه الزيادة من الربا سواء أكانت محددة أم غير محددة، لقوله تعالى : "فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم" [البقرة:279]، فأمر الله الدائن بالاقتصار على رأس ماله دون زيادة، وقد أجمعت الأمة على أن كل قرض جر نفعاً للمقرض فهو ربا، وأما تبرير الزيادة بأنها مقابل التضخم فهذا الافتراض لا يبيح أخذها، وقد قيل مثل ذلك في الفوائد الربوية، فإن من النظريات التي قيلت في تبريريها: نظرية التضخم، أي أنها تعويض للدائن عما يحصل له من نقص في دينه بسبب التضخم، وهذا غير صحيح فإن الفوائد في الواقع هي وقود التضخم وسببه الرئيسي، والبديل الشرعي للتخلص من التضخم هو استثمار المال بالربح الحلال بدلاً من الفوائد المحرمة. والله أعلم. الدكتور سامي بن إبراهيم السويلم