رؤية واقعية
لتطوير
الاقتصاد
السوري
الباحث
الدكتور -
سامر مظهر
قنطقجي
إن
عمارة الأرض
هي من مهمة
الإنسان في
هذه الحياة،
وهي تشمل جميع
النواحي خاصة
الاجتماعية
والاقتصادية
منها. وهو ما
يعبر عنه في
الأدبيات
الاقتصادية
الحديثة
بالتنمية الاجتماعية
والاقتصادية
وهي التي تسعى
إلى تحقيق
سعادة
الإنسان
ورفاهيته.
التنمية
هي عملية
إعمار عقلاني
وهذا ما يميزها
عن النمو الذي
غالبا ما يقصد
به الإعمار العفوي.
والتوجه نحو
جانب أو
التركيز على
ناحية دون
أخرى ما هو إلا
مضيعة للوقت
والمال وقد
يؤدي إلى
اختلال البنيان.
والتطوير هو
عمل دؤوب
مستمر يعتمد
على معرفة أخطاء
الواقع الذي
نعيش فيه وذلك
لتجنبه وتفاديه
مع مراعاة
الأهداف
المستقبلية
على المدى
المتوسط
والطويل.
والاستثمار
هو أحد دعائم
التنمية،
والتشجيع
عليه
والترويج له
ودعوة
الشركات
وأصحاب رؤوس
الأموال
للاستثمار ما
هو إلا تركيز
على ناحية فقط
وإغفال لنواحي
أخرىأهم.
فالبيئة
الاستثمارية
بنيان متكامل
يصعب تناول
أجزاء منه دون
أخرى، وإلا فإننا
أمام أعضاء
هزيلة من جسم
هزيل. وعليه
فلا ينبغي لنا
أن نعيش حضارة
لسنا جزءا
فعالا فيها،
لأن التوجه
نحو
الاستهلاك
والصناعة الاستهلاكية
دون الإنتاج
الحقيقي
سيؤدي حتما للإفلاس،
فحتى النبع
بحاجة لمن
يغذيه. وعلى
هذا فإننا
نقترح المخطط
(1) كنموذج
لمجموعة العوامل
التي تساهم في
عملية
التطوير باتجاه
أهداف
مرسومة،
وسنتناول
بشيء من
التفصيل هذه
العوامل.




أولا –
العلم:
هو
الأداة
الرئيسة
للتطور
المنشود، والمرشد
في اتخاذ
القرارات
العلمية
الأكثر صوابا
وذلك
لاعتماده على
أدوات كمّية
وإحصائية
ومحاسبية.
ومن
الواجب في هذا
المجال
الاستفادة من
الكنوز
العلمية
المتوافرة في
تاريخ أمتنا
العريقة
ففيها من
التجارب
الناجحة في كل
الميادين،
ولاداعي
لتقليد
النزعة
النفعية البرغماتية
السائدة. كما
يجب
الاستفادة من
الخبرات
المتراكمة
لدى
الأخصائيين
وغير الأخصائيين.
فالمربي أو
المعلم الذي
دخل مرحلة
التقاعد يجب
أن لا يُستبعد
إلى قارعة
الحياة بل لا
بد من إبقائه
كمستشار أو
مفكر مبدع
لأنه لا يزال
معطاءً وصاحب
خبرة لا
يستهان بها،
وأن تستبعد
المحسوبيات
لأنها أداة
تدمير
للتطوير المنشود.
ولابد
من الإشارة في
هذا المجال
إلى الخسائر الفادحة
الحاصلة في
مجتمعنا ألا
وهي الأبحاث
والدراسات
الجامعية
التي تُطوى
وتُوضع على
الرفوف بعد
الجهود
المبذولة من
قبل المشرفين
وطلاب البحث
العلمي الذين
قضوا سنوات من
العمل المضني
حتى توصلوا
إليها،
وغالبا ما
تحوي بحوثهم
تطبيقات
عملية مفيدة
نحن أحوج ما
نكون لها.
ويجدر
بالشركات
وأصحاب
الأعمال أن
تختار الطلاب
المجدين
والمبدعين
خلال دراساتهم
الجامعية
فتدعمهم
ماديا
ومعنويا وتوجههم
نحو أبحاث تهم
أعمالهم
وتطورها، وفي
ذلك فائدة
مشتركة لكلا
الطرفين. ومما
لا شك فإن
الفائدة
ستعود على
المجتمع ككل
بشكل مباشر أو
غير مباشر.
ثانيا –
العمل: وهو التطبيق
العملي
للأبحاث
والتجارب ،
وإنجاز كل ما
يلزم لحسن
سيره. ويجب
التمييز بين دور
كلٍ من
الحكومة
والأفراد.
فدور الحكومة
هو دور العقل
المفكر
الموجه
لأفراد
الأمة،
وتهيئة الفرص
المناسبة
النافعة
واستثناء
الضار منها
وذلك ضمانا لفهم
قراراتها
وحسن تطبيقها.
ويجب أن تتجنب
أعمال
الحكومة
التنظير
الاقتصادي،
وأن لا تلجأ
إلى اللجان
التي تعتبر
بمثابة مقبرة
رسمية. كما
يتوجب على
الحكومة
تأمين
التمويل المالي
اللازم
للقيام
بالمشاريع
وخاصة
الكبيرة منها،
مبتعدة عن
الديون
الربوية
الأمر الذي
يتعارض مع
الشريعة
الإسلامية ،
وهي معتقد
غالبية الناس
في هذا البلد
مما يؤدي
حتماً إلى
احجام الكثير
منهم على
الاستفادة من
هذا التمويل. وعلى
كل حال فإن
لعبة الديون
والفوائد
وإعادة جدولة
الفوائد قبل
جدولة الديون
تتكرر على مستوى
الأفراد
والدول. فمثلا
اعتمد مشروع
مكافحة
البطالة على
تمويل
المشاريع
الصغيرة بفائدة
ربوية، فإذا
كانت أموال
هيئة مكافحة
البطالة
مصدرها
المنح، فما
الداعي
لاقراض الأموال
للمتعثرين
أصلا
وللمبتدئين
بالعمل؟ ألا
يزيد ذلك من
أعبائهم
وتكاليفهم؟
ألا تكون
الهيئة بهذا
قد أخذت شكل
هيئة
استثمارية
تقرض المال بفائدة
أقل من المصرف
الزراعي
بمقدار 1.50 % لذلك لن
تجد هذه
السياسات
صداها ولن
تحقق الغايات التي
وضعت من
أجلها.
ويثمر
دور الفرد حين
يتجاوب مع دور
الحكومة ويكون
له موقف إيجابي
تجاه
سياساتها ،
وهذا لا يقل
أهمية عن موقف
القيادة
المخلصة ذات
القوامة.
ولابد من منح
الخبراء منهم
مزايا مادية
وعينية
مجزية، لأنهم
دعامة
القاعدة
الإنتاجية
المتينة. وغني
عن البيان أن
القرار
السياسي
يتأثر قوة
وضعفا بقدر ما
يملك من طاقات
إنتاجية. لذلك
يتوجب على
الخطط
التنموية أن
تهدف إلى
توجيه الأفراد
نحو بناء
مشاريع كبيرة
وضخمة (المخطط
رقم 2) من خلال
سياسات
الاعفاءات
الجمركية
والضريبية
والإجرائية،
تسهيلا لهم
لدخول
الأسواق العالمية
وعدم
الاكتفاء
بكسب الأسواق
المحلية. إلا
أن الأعمال
الجماعية لا
تتم دون حماية
الحقوق
الخاصة
والعامة على
حد سواء.

وغالبا
ما تكون
الأعمال
الجماعية
فاشلة في شركاتنا
، ويغلب عليها
الطابع
الفردي أو
العائلي، لذلك
فإن رأس مالها
محدود
وخبراتها
متدنية وتكتفي
بما يرثه
الأبناء عن
الآباء
والأجداد، مما
يجعلها راتبة
ومعدومة
الحداثة. وفي
أحسن الأحوال
تنتشر
الشركات
التضامنية
وشركات التوصية
البسيطة ،
وبالرغم من
سيطرة أحد
الشركاء على
الآخرين ،
فغالبا ما
تكون
القرارات
فيها ارتجالية
لاعلمية
ولاموضوعية،
وغالبا ما تتضارب
آراء الشركاء
فيما بينهم
مما يؤدي إلى
ازدواج
القرارات رغم
وجود مدير
منتدب. ولو أن
هذه الشركات
المتواضعة
تقيدت بنظام
داخلي صارم
يحد من تصرفات
كل شريك بما
يحقق محاسبة
المسؤولية
لانضبطت
الأمور في
سياق ناجح
ومفيد. ويزيد
الأمر سوءا
التراخي في
تطبيق
الأحكام القضائية.
ويساعد هذا
الانفلات في
عدم توافر شركات
ومكاتب
دراسات
واستشارات
اختصاصية تقدم
خدماتها
لقطاع
الأعمال ،
وينطبق على
هذه الشركات
ما ينطبق على
سابقاتها رغم
كون أفرادها إداريين
وأكثر علمية.
أما
القانون، فهو
الناظم لحياة
الناس ضمن سياق
العدالة، فلا
جور ولا ظلم
لطرف على آخر
سواء بين
الأفراد أو
بينهم وبين
الحكومة.
وبالرغم من
ذلك فقد حدثت
أخطاء فادحة
اقتصادية
وغير اقتصادية
أدت إلى
تجاوزه بغض
النظر عن
الأسباب
الداعية إلى
ذلك. فالتأميم
مثلا هو خطأ
اقتصادي
استراتيجي
يعتبر بمثابة
الإسفين
الأول في نعش
الاقتصاد، فقد
ضيّع الحقوق
الخاصة
والعامة، وما
مشروع القانون
الجديد الذي
يبحث في تنظيم
العلاقات الزراعية
بإرجاع أرض
المالك مقابل
تعويض مقداره
40% من قيمتها
إلا حل جزئي
لكنه ليس
بالحل العادل
، حيث لابد من
إعادة كامل
الحقوق
لأصحابها ،
فالعدل سياج
الأمة وحصنها
الحصين. وطالما
هناك هتك
للحقوق ،
وطالما أن
القضاء لا
يعيد تلك
الحقوق إلى
أصحابها خلال
فترات وجيزة
فإن ذلك يعتبر
مماطلة
والمماطلة
مضيّعة للوقت،
وغالبا ما
يترك صاحب
الحق حقه أو
أنه يقبل بأقل
منه ، مما
يعين أصحاب
النفوس
المريضة على
التمادي
ويضعف الثقة
بين الناس ،
ومن المعلوم
أن رأس المال
جبان وسرعان
ما يهرب إلى
أسواق تمده
بثقة أكبر
وأكثر
أمانا.ونفس
الكلام ينطبق
على أصحاب
الفكر
والابداع
الذين هم بمثابة
المحرك الخفي
للأعمال ،
وبهضم حقوقهم
لن نلتمس
التطور
والابداع.
وإلى
جانب تحقيق
العدل بين
الناس لابد من
مراعاة
معتقداتهم
الدينية،
فقانون
الإيجار وخاصة
التجاري منه
(وهو أحد
محركات
البنية التحتية
للاقتصاد)
يتعارض مع
الشريعة
الإسلامية. وكذلك
نظام
الضرائب،
وغيرهما كثير.
الأمر الذي
يؤدي إلى
ازدواج شخصية
الأفراد
وايقاعهم في
فوضى فكرية
وتشريعية.
لذلك على
المشرع أن
يسعى لطمأنة
الناس بتشريع
ما هو لصالحهم
وألا يتجاوز
معتقداتهم وإلا
فكل منهما ،
المشرّع
والمواطن،
سيكون في واد.
فكثير من
الناس يملك
مالا ولا
يرغبون بتحمل
المخاطر ،
وتميل أنفسهم
إلى
الاستثمار المضمون
رغم تواضع
ربحه،
فيستثمرون
بالعقارات
مستفيدين من
ريعها.
وبالمقابل
هناك آخرون من
ذوي الخبرة
والكفاءة
الفنية
ويتمتعون بروح
الإقدام
ويتطلعون إلى
ممارسة أعمال
جديرة بالاحترام
والتقدير
لكنهم
يفتقرون إلى
المال. فلو
وفرنا لصاحب
العقار الثقة
بعودة عقاره
عند الحاجة
ولصاحب المال
بإعادة حقوقه
عند حصول التباس
ما ، لأمكن
توفير
القاعدة
الأساسية للبنية
التحتية
للأعمال.
وسرعان ما
يتحمل أصحاب
الخبرة ما
اعتادوا عليه
من المخاطر
لتشكيل البنى
الأساسية
للأعمال ،
وبمجرد نجاح
أفكارهم فإن
الآخرين
سيتشجعون
للحاق بهم أو
لمشاركتهم
فتكبر
الأعمال
وتنمو ، فنجاح
الأعمال المحلية
هو الجاذب
القوي
للاستثمارات
الخارجية وهو
بمثابة مقياس
درجة
المخاطرة في
هذه الرقعة
الجغرافية.
وبهذه الحالة
لن نكون
صِغاراً ولا
عالةً على هذه
الاستثمارات
ولن نستجدي المستثمرين
استجداءا.
فنحن نملك
جميع عناصر النهضة
والقوة، ومن
الأفضل في هذا
المقام أن
ندعم صناعيينا
وحرفيينا
ومستثمرينا
بتقديم كل التسهيلات
والاعفاءات
لهم ، ثم
لننتظر ثورة
علمية
واقتصادية
تقوم على
أكتاف
أبنائنا.
ثالثا –
المعلومات
الراجعة: وهي صدى
تطبيق
القانون
وتنفيذ أعمال
كلٍ من الأفراد
والحكومة.
ولاتخلو من
إيجابيات
وسلبيات. ومن
الضروري
التركيز على
السلبيات
ومعالجتها
بسرعة كبيرة
لمساعدة
الناس وتيسير
أمورهم، فلا
تفريط بمصلحة
المواطن
ومصلحة
الجماعة ولا
مغالاة بأي منهما
على حساب
الآخر. ومن
المفيد ذكره
في هذا المجال،
أن شركة
تويوتا
تستقبل سنويا
18.000 تقرير من
زبائنها
وعمالها
ومعظم
الاقتراحات
تؤخذ بعين
الاعتبار
والجدية
وتعتبر تلك
المعلومات
مفيدة لتطوير
العمل ونجاحه.
وتعتبر المعلومات
الراجعة
بمثابة العصب
الحيوي للخطط
التنموية حيث
تعدل هذه
الخطط بناء
على المستجدات
الحاصلة مما
يبقيها مرنة
تستجيب لكل
تطور.
وفي
الختام ، فإن
اقتران العلم
بالعمل لن
يؤدي إلاّ إلى
خير الفرد
والجماعة من
خلال الإدارة
العلمية ذات
الكفاءة
العالية.
فالعلم
بمدرسته
الاستنباطية
والعمل
بمدرسته
التجريبية ما
هما إلا وجهان
لعملة واحدة
لا نجاح
لأحدهما بمعزل
عن الآخر. وكل
ذلك سيساعد في
زيادة قناعة
الفرد
بقرارات
حكومته
وجديتها
وأنها تعمل لخيره
ولسعادته،
ولن يبخل
حيندئذ بكل
غالٍ وثمين في
سبيلها،
لأنها تعتبر
بمثابة العقل
المدبر له
ولغيره
وسيعمل على
إنجاح
سياساتها وتحقيق
أهدافها. وإلا
فإن العكس
سيحصل أو على أقل
تقدير سيكون
فردا سلبيا.
وعند ذلك فإن
التطوير
سيكون حبرا
على ورق ومجرد
شعارات طنانة.
والوقت لا
يسمح بذلك في
ظل التغيرات
العالمية
المحيطة.