النظام المالي الإسلامي في ظل التحديات (2-2) خولة فريز النوباني تواجه أنظمة المعاملات المالية الإسلامية الكثير من المعيقات، ويبدو أن طغيان النظام المالي التقليدي لم يترك لها الفرصة لتبدو بالصورة التي يجب أن تكون عليها، بالإضافة لعدم توحد جهود مؤسساتها عبر العالم الإسلامي، وكما نعلم فإن الجهود الفردية في هذا المجال من الصعب أن تثمر وتبدو أكلها، ومن هنا كانت المطالبة بتوحيد الجهود والرؤى مما يساهم في تقليل حجم المخاطر ويضفي على التجربة عالمية ونضجا. ولا شك أن المؤسسات المالية الإسلامية وخاصة المصرفية منها لم تعكس الصور العديدة والمتنوعة للعمليات المصرفية الإسلامية بالعموم، بل إن بعضها قد اكتفى بصيغة المرابحة كونها من الصيغ التمويلية والاستثمارية التي لا تتطلب بذل كثير من الجهد والمتابعة بالإضافة إلى أن إجراءاتها في الإقراض تتشابه مع الإجراءات المتبعة في الإقراض في المصارف التقليدية مما يجعل المتعامل مع المصارف الإسلامية في حيرة من أمره لعدم قدرته على فهم الفارق خاصة إذا كان قد تعامل مع موظف لم يتدرب على الفرق بين العمل المصرفي الإسلامي والعمل المصرفي التقليدي. ولا بد أن نشير إلى صيغ التعامل المالي الإسلامي المتعددة ومنها المضاربة، والإستصناع، وبيع السلم وغيرها من العقود التي من المفترض الإجتراء على تطبيقها لتحقيق تنوع في الخدمات المالية بصورة إسلامية، ولا نكتفي بذكر المصارف كوسيلة للتعامل الإسلامي المالي ولكن قد يمتد هذا الأمر ليشمل شركات التأمين وغيرها، وصولا إلى نظام مالي إسلامي متكامل. ومع أن هذه العقود المالية قد أقرها الإسلام وكانت موجودة من قبل إلا أن الإسلام قد أطرها بأطر إسلامية تضفي عليها صبغة تنسجم مع التعاليم والروح الإسلامية التي تحارب الظلم والاستغلال وتبديد المال. وإدراك أهمية النظام الاقتصادي الإسلامي في رسم خطوط عدالة التوزيع لدى عامة المسلمين ممن يشكلون طرفا هاما من العملية الإنتاجية ككل يدفع بالقائمين على مثل هذا النظام لمزيد من العمل من أجل استحداث الخدمات التي تلبي حاجات الأمة، مما يؤدي لمزيد من ثقة الأفراد وبالتالي ننهض باقتصاد حر يهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق العدالة والرفاه الإنساني. ومما يعيق العمل التنموي المصرفي الإسلامي جهل بعض الأفراد المتعاملين معه أو العاملين فيه لحقيقة الفرق الجوهري بينه وبين العمل التقليدي المصرفي القائم، وكذلك تشتت التجارب المصرفية الإسلامية هنا وهناك دون وجود مصرف عالمي إسلامي يكون وحدة لتجميع الجهود المالية ومؤازرتها، بالإضافة إلى نقص التخطيط الاستراتيجي للرؤى المالية في ظل تحديات العولمة للمحافظة على الهوية ولاستدراك البدائل وتحقيقها بحيث تضمن للافراد تعاملا ماليا بعيدا عن التشكيك ولا يخضع لتحكم أحد، كل ما سبق جعل العمليات المالية الإسلامية تواجه سؤال التحدي النابع من الحاجة في نفس الوقت.. أين هي البدائل والخطط التي ترتقي بسوية العمل المالي الإسلامي بحيث تتناسب في سرعة التطبيق والجودة مع المعطيات الاقتصادية للعصر؟ وطرح مثل هذه التساؤلات لا يقلل من شأن التجارب الإسلامية في هذا المجال من مثل المؤتمرات والتوصيات وحتى التفعيل للأنشطة المالية الإسلامية المختلفة عبر العالم الإسلامي ولكننا نعتقد أن الجهود المقدمة ما زالت متواضعة أمام حجم التحدي، وأن مبررات الحاجة للتطوير في هذا المجال ملحة للإسراع في تبني الخطط التي تتلاءم مع العصر، وتنصف الإسلام من ناحية قدرته على استيعاب مستجدات العصر وحاجات الأفراد في ظل عالم يتسارع في شتى المجالات، ويوظف الكثير من الإمكانيات في سبيل ترسيخ اقتصاديات السوق المبنية على نهج معولم, البقاء فيه للأقوى لا الأصلح. فمن الأفكار ذات المردود على المستوى الاجتماعي والاقتصادي فكرة تمويل المشروعات الصغيرة والتي نحن بأشد الحاجة لها نظرا لما لها من أثر ملموس في التنمية الفاعلة من حيث تخفيض مستوى البطالة، وتشغيل نسبة من الأيدي العاملة بالإضافة إلى أن التمويل بالصورة التقليدية لمثل هذه المشاريع يرهق العمل ويعد عبئا على المقدم عليه مما يفقد هذه المشاريع كثيرا من إيجابياتها، ومع ذلك فقد قامت بعض الدول بتطبيق ذلك ومنها الأردن ومصر والسودان وأثبتت فاعليتها بالرغم من وجود بعض السلبيات إلا أنها كتجربة نهضت بالطموح وملامسة الحاجات المؤثرة إيجابيا على المجتمعات بالرغم من أن المصارف الإسلامية تكاد تكون غير مطلقة اليد نظرا لكونها تأتمر بأوامر البنوك المركزية خاصة في الدول ذات النظام المصرفي المختلط كون هذه البنوك المركزية إنما وضعت لتلائم عمل المصارف التقليدية من خلال أنظمتها وقوانينها الوضعية. المثال السابق إنما هو جزء بسيط مما يمكن أن تقوم به المصارف الإسلامية والتي تمثل الجزء الأكبر من النظام الاقتصادي الإسلامي في وقتنا الحالي وذلك استنادا لخاصية الاقتصاد الإسلامي والذي يتميز عن الاقتصاديات الوضعية التقليدية بكونه عملية ذات أبعاد عقدية واجتماعية وسياسية وثقافية متكاملة.